مستقبل العمل وعدم الاستقرار وجيل التدريب

العمل على مستوى العالم : هنغاريا نموذجاً

الصحفي "يورغن كليفر" في حديث مع نائب مدير المعهد الإقتصادي التابع لأكادمية

Professor Jenö Koltay; Copyright: privatالبروفيسور ' ينو كولتاي'
حقوق النشر: خاصةإن عدد رجال الأعمال الصغار في هنغاريا كبير جداً بالمقارنة مع بلدان العالم الأخرى . الصحفي "يورغن كليفر" في حديث مع نائب مدير المعهد الإقتصادي التابع لأكادمية العلوم الهنغارية البروفيسور " ينو كولتاي" :

سؤال : إنّ نسبة العاملين الذين وجدوا عملاً أوالذين يبحثون عن عمل تصل في هنغاريا إلى 55% فقط بينما تبلغ هذه النسبة بشكل متوسط 70 % في الإتحاد الأوروبي , ونسبة العاملات من النساء تصل إلى 48% وهي أدنى بكثير من نسبة العاملين من الرجال البالغة 62 % . ماهي أسباب انخفاض نسبة العاملين هذه ؟

جواب: إن انخفاض نسبة العاملين في هنغاريا يعود بشكل أساسي إلى إلغاء أماكن العمل مع بداية التسعينات ,إذ بسبب تغيير النظام الحاكم تمّ حتى عام 1996 إلغاء ربع الوظائف التي كانت موجودة حيث تمّ فقدان مليون وثلاثمئة ألف وظيفة خلال أزمة تحوّل النظام . في ذلك الوقت حدثت اصلاحات اقتصادية جذرية عبر الخصخصة حيث تمّ بيع بعض الشركات أو إغلاق بعضها الآخر وقد شمل ذلك قطاعات اقتصادية بكاملها. وبعد ذلك جرى إحداث فرص عمل جديدة وبشكل خاص عبر الإستثمارات الأجنبية , أما في قطاع الخدمات العامة من إدارة وصحة وتعليم فلم تحدث اصلاحات كبيرة . في السنوات الأخيرة جرى تغيير في هيكلية العمالة بحيث أصبح ثلثا العاملين يعملون في قطاع الخدمات .

سؤال : كيف يبدو وضع العمل الجزئي في هنغاريا ؟

إن تهيب العمال في ألمانيا من تولي مسؤولية إدارة الشركات لايزال كبيراً بالمقارنة مع دول العالم الأخرى .
حقوق النشر : بكتشر اليانسجواب: إن أحد الأسباب الإضافية لنسبة العمالة المنخفضة في هنغاريا يعود إلى أن العمل الجزئي ليس منتشراً فيها . التحفظات على العمل الجزئي المستمرة حتى الآن والموجودة أيضاً عند العمل لدى المستثمرين الأجانب هي إحدى الموروثات من زمن الإقتصاد المخطط مركزياً . ففي مرحلة الإشتراكية كان لدى مدراء المؤسسات تحفظات على العمل الجزئي لأنهم كانوا يعتقدون أن العامل الذي يعمل أربع ساعات فقط فإنه لاينجز عملاً , وهذا يدلّ على أن سير العمل كان في كل الأحوال سيئاً جداً . هذه التحفظات تشعر بها النساء اللاتي يحاولن الجمع بين عملهن وحياتهن الخاصة وكذلك هو حال الطالبات اللاتي يشكلن الأغلبية في معظم كليات الجامعات . في نفس الوقت فإن النساء اللاتي لديهن أطفال لايجدن عملاً في هنغاريا اليوم إلا بصعوبة كبيرة وذلك لأن النساء العاملات يتمتعن بالكثير من التسهيلات . هذه التسهيلات المطبقة في هنغاريا هي أوسع من التسهيلات الموجودة الآن في أوروبا الغربية , وهذا أدى إلى وجود تعارض في نظام العمل. فهناك ترتيبات صارمة تهدف إلى حماية النساء اللاتي لديهن أطفال من أجل المحافظة على وظائفهن وهذا يتعارض مع الليبرالية الكبيرة التي تتمتع بها سوق العمل في هنغاريا . وكنتيجة لذلك فإن النساء يبقين لفترة طويلة بعيدات عن سوق العمل وهذا يجعل اندماجهن في هذه السوق أكثر صعوبة بعد عودتهن للعمل .

سؤال : ونظام التسهيلات هذا لم يؤثر بشكل واضح حتى الآن على النسبة المرتفعة للولادات في هنغاريا . هل توجد أسباب أخرى لإنخفاض نسبة اليد العاملة في هنغاريا؟

جواب : بعد تغيير الحكم في هنغاريا وخلافاً لبعض بلدان منطقتنا وأمريكا فإن فرص العمل المقدمة للعمال العاديين الذين لايملكون كفاءات معينة قد تقلصت بشكل كبير وخاصة في المجال الزراعي والصناعي وهذا سبّب مشاكل كبيرة في هنغاريا وخاصة لمجموعة السكان الرومانيين , وهنا يبدو واضحاً وجود نقاط ضعف في نظام التعليم وفي سياسة الإندماج .

سؤال: ماهو وضع العاملين ذوي الكفاءات العالية ؟ هل هناك هجرة عقول ؟ أعني هل يهاجر خريجو الجامعات والحاصلون على إجازة الدكتوراه إلى الخارج ؟

جواب : هذه الهجرة لاتسبب مشكلة كبيرة في هنغاريا كما هو الحال بالنسبة للبلدان الأخرى في المنطقة . فبالمقارنة مع بولونيا ورومانيا فإن عدداً قليلاً من الهنغاريين ذوي الكفاءات العالية يغادرون البلد, إذ أن الوظائف المعروضة لهؤلاء المتخصصين كثيرة جداً . ثم إن هناك سبباً آخر يحد من الهجرة يتمثل في عدم الإلمام الجيد باللغات الأجنبية لدى طلاب الجامعات . إن التحليلات التي صدرت مؤخراً عن الهجرة كانت مفاجئة لي شخصياً , إذ تبين أن نخبة صفيرة فقط هي التي تذهب إلى الخارج وتعود بفرص عمل جديدة لسوق العمل الهنغارية . في بعض المجالات الأخرى فإن الوضع مختلف , فهندسة علم الأحياء تصلح كمثال لهجرة ذوي الكفاءات العالية ولكن هذا لاينطبق على كل المناطق وخاصة في شرق هنغاريا .

سؤال : إن النفقات التي تصرفها الدولة الهنغارية كأجور للعاملين في مجال الخدمات العامة كبيرة جداً . وإذا كانت هذه النفقات تتناسب مع الناتج الإجمالي لإقتصاد البلاد فإنها في هنغاريا تزيد 50% عن المستوى الموجود في تشكيا وسلوفاكيا. ماسبب ذلك؟ ألم تكن حكومة "كيورسني" التي تم انتقاد برنامجها التقشفي بشدة مجبرة أن تعلن أنها ستعمل في عام 2007 على تجميد الأجور في قطاع الخدمات العامة وعلى الغاء 35000 وظيفة ؟

جواب : بالنسبة للبلدان التي ذكرتها فهذا صحيح ولكن بالمقارنة مثلاً مع بولونيا فإن الفرق قليل ولكنه واضح تماماً . في عام 2002 وبعد التغيير الحكومي تمت زيادة الرواتب للعاملين في قطاع الخدمات بنسبة 50% على الراتب الأساسي وهذا ماكان قد تم الوعد به أثناء الحملة الإنتخابية . وقد أعقب هذه الزيادة الكبيرة للأجور إحداث 100000 وظيفة جديدة في قطاع الخدمات . إضافة لذلك فإن نسبة العاملين ذوي الكفاءات العالية والرواتب المجزية في هذا القطاع أعلى مما هي في قطاع الإقتصاد الحر , والمبلغ المخصص للأجور هو عالٍ بالمقارنة مع الدول الأخرى وذلك لأن قطاع الخدمات في هنغاريا يشمل معظم الخدمات . هذا ويبقى عدد العاملين في قطاع الخدمات مقارنة مع العدد الكلي للعاملين في هنغاريا مرتفعاً (800000 من أصل أربعة ملايين ) , وبالمقارنة مع البلدان الأخرى مثل البرتغال واليونان فإن قطاع الخدمات يعتبر متضخماً, وهذه المشكلة لم تُحل من أية حكومة حتى الآن , ويجب الأنتظار لنرى إذا كانت الحكومة الحالية ستنفذ الإصلاحات الجذرية بهذا الخصوص . كما إنه من غير المؤكد أن يتم الغاء 35000 وظيفة في عام 2007 , علماً أنه تم في هذه الفترة إحداث وظائف جديدة .هذا وقد بلغ عدد الوظائف التي ألغيت في السنوات الأخيرة 60000 وظيفة نصفها وظائف مدرسين .

سؤال : كيف تطورت البطالة في السنوات الأخيرة ؟

جواب : لقد تمكنت هنغاريا خلال العقد الحالي أن تصل إلى نسبة بطالة متدنية بالمقارنة مع المعدل الوسطي لنسبة البطالة في دول الإتحاد الأوروبي . في الفترة الأخيرة ارتفعت هذه النسبة قليلاً ووصلت في عام 2007 إلى 7,7 % وهي أعلى قليلاً من المعدل الوسطي للبطالة في دول الإتحاد الأوروبي السبع والعشرين .في وسط هنغاريا وبودابست بلغت نسبة البطالة 4,5 % فقط وفي الغرب والشمال الغربي بلغت النسبة 6 % وفي بقية مناطق البلاد بلغت نسبة البطالة من 9 إلى 11 % . إن أحد أسباب انخفاض البطالة في هنغاريا يعود إلى الخفض المستمر للعمر الذي يُحال فيه العاملون إلى التقاعد . إضافة إلى ذلك فإن قسماً كبيراً من المسنين العاطلين عن العمل لايسجلون أنفسهم لدى مكاتب العمل ولا يُعتبرون في هذه الحالة عاطلون عن العمل. وهذا ينطبق أيضاً على خريجي المدارس حيث تبلغ نسبة العاملين من الطلاب بين عمر 15 إلى 24 سنة 22 % فقط بينما تبلغ هذه النسبة في البلدان الخمسة عشر المؤسسة للأتحاد الأوروبي 42 % . إن الإنخفاض النسبي لعدد العاطلين عن العمل في هنغاريا يعود أيضاً إلى الإرتفاع الكبير في عدد "مجموعات العمل الفردية " . فبعد أن يفقد بعض العاملين وظائفهم فإنهم يجدون أنفسهم مجبرين على تأسيس مجموعات عمل مستقلة وهذا يعتبر في الأساس نوع من المغامرة التي تعبّر عن العقلية الطموحة لرجال الأعمال . رجال الأعمال الصغار هؤلاء موجودون في المهن المختلفة حيث تجدهم لدى الصحفيين والفنانين والمترجمين ولدى أجهزة الأمن وفي قطاع المحاسبة . هذا وتقوم الشركات بتحويل قسم من أعمالها إلى العمال الفرديين , حيث تم التفاهم مع هؤلاء العمال بأن يكّونوا مجموعات عمل مستقلة ومن ثم يحصلوا على عروض أعمال من أرباب عملهم السابقين , وبذلك تستطيع هذه الشركات التوفير وذلك عن طريق عدم دفع الضرائب الإجتماعية .إن عدد رجال الأعمال الصغار في هنغاريا كبير جداً بالمقارنة مع دول العالم الأخرى , وهنا تجدر الإشارة إلى أن عقلية رجل الأعمال استطاعت أن تطور نفسها في هنغاريا حتى في زمن الشيوعية الإصلاحية. إن المبادرة الفردية والتطلع إلى وضع مالي أفضل كانتا متجذرتين بقوة وباستمرار في المجتمع الهنغاري , وكنتيجة لذلك كانت الفردية سمة تقليدية في هنغاريا . ولذلك لم يكن التضامن بين الحركات العمالية في هنغاريا ممكناً خلافاً لما كان عليه الحال في بولونيا الإشتراكية .

سؤال: في هنغاريا يوجد نظام الحد الأدنى للأجور . ماهي نتائج التجارب مع هذا النظام؟

جواب : نظام الحد الأدنى للأجور إبتدأ تطبيقه في بداية التسعينات مترافقاً مع عملية تغيير النظام . في ذلك الوقت كان هناك فقدان للوظائف وتضخم كبير وانخفاض في الأجور , وهنا أود أن أشير إلى أن مستوى الأجور الذي كان قائماً في هنغاريا عام 1989 لم يعد إلى ماكان عليه إلا في عام 2002 . وقد أثبت نظام الحد الأدنى للأجور نجاحه حتى نهاية التسعينات ولكن لم يؤدي إلى إحداث وظائف جديدة . هذا وقد قامت حكومة محافظة في بداية العقد الحالي بمضاعفة الحد الأدنى للأجور وذلك خلال عامين فقط . مضاعفة الأجورهذه لم تكن استجابة لمطالبة نقابات العمال وإنما كانت مبادرة حكومية . ومن النتائج السلبية لهذه المبادرة أن الشركات غالباً ماتقوم بتوظيف العاملين على أساس الحد الأدنى للأجور وتطالب هؤلاء بدفع مبالغ إضافية للتأمينات الإجتماعية ولمصلحة الضرائب . وبنفس الوقت إتخذت الشركات مضاعفة الحد الأدنى للأجور كذريعة كي تقلل من تقديم فرص العمل للعمال ذوي الكفاءات المتدنية, وقد كان لذلك على المدى البعيد نتائج سلبية على سوق العمل . والجدير بالذكر أن مستوى الحد الأدنى للأجور في هنغاريا هو أدنى من الدخل الضروري لإستمرار الحياة , وطبقاً للتعديلات الجديدة فإن الحد الأدنى للأجور أصبح يُقبض الآن من دون أية ضريبة , وقد وصل في عام 2005 إلى مستوى 45 % من متوسط الأجر الصافي للعاملين على مستوى هنغاريا . لقد أثبت نظام الحد الأدنى للأجور نجاحه بشكل عام ولكن أسيء استخدامه في بداية العقد الحالي وذلك لأسباب سياسية تجريبية . في عام 2006 تم الإتفاق على تثبيت الحد الأدنى للأجور على ثلاث مستويات وذلك وفق المستوى التعليمي للعاملين وبالإستناد إلى الشهادات المدرسية والجامعية .

الصحفي " يورغن كليفر" :السيد البروفيسور "كولتاي" أشكرك جزيل الشكر على هذه المحادثة .

الصحفي " يورغن كليفر" :السيد البروفيسور "كولتاي" أشكرك جزيل الشكر على هذه المحادثة .

قام باجراء المقابلة "يورغن كلفر" وهو يعمل كصحفي حر في بودابست منذ عام 2005 ويعمل كذلك لصالح جريدة "نوي زوريشة تسايتونغ "

ترجمة :حسن حسن

حقوق الطبع : معهد غوته في بودابست

نشرت المقابلة في شهر شباط 2008

مواقع أخرى