من احتفالية صغيرة في متجر للكتب في ألمانيا الغربية عام 1987 إلى احتفالية ضخمة تُقام اليوم على مسرح فولكسبونه في ساحة روزا لوكسمبورغ، حيث تلتقي السينما مع السياسة والبهجة. كيف تحولت جوائز "تيدي" من حدث خافت إلى صدارة المشهد الثقافي السينمائي دون قيود؟ يأخذكم مدون بريناله أحمد شوقي في رحلة شيقة لاكتشاف القصة الكاملة وراء احتفالية هذا العام.
دائمًا ما أقول إن النهار في برليناله متشابه، يقضيه أغلب الحضور إما في العروض الصحفية يشاهدون الأفلام، أو في أروقة سوق الفيلم الأوروبي يعقدون الاجتماعات. أما الليل فيختلف كليًا، فكل ليلة لها خصوصيتها، وكل مجموعة من الحضور تختار وجهتها خلال الأمسية، بين العديد من الأنشطة والاحتفالات والدعوات التي تصل للمشاركين، كلُ حسب تخصصه وسنوات خبرته وشبكة معارفه.على مدار السنوات الأخيرة، كان اختياري دومًا هو ترك مساء الجمعة الأخير من المهرجان (21 فبراير هذا العام) خاويًا من أي التزامات، وتخصيصه لحضور حفل جوائز "تيدي"، وهي الجوائز السنوية المخصصة للأفلام التي تعالج قضايا الحرية الجنسية والهوية الجندرية "الكوير". تأتي جوائز "تيدي" في احتفالًا ذا طابع خاص، ولهذا صار حضوره عادة سنوية لدى العديد من الأصدقاء، حتى لو لم يكونوا مهتمين في مجال عملهم بقضايا "الكوير" تحديدًا.
تنبع خصوصية جوائز "تيدي" من الماضي والحاضر معًا. من الماضي لأن النسخة الحالية هي النسخة 39 من الجوائز، التي أقيمت لأول مرة بشكل خافت في متجر للكتب في ألمانيا الغربية عام 1987. وبينما قد يبدو تنظيم جوائز خاصة لأفلام "الكوير" فكرة مقبولة اليوم -لا سيما في الدول الغربية- فإن الأمر لم يكن بنفس السهولة أو البديهية قبل أربعة عقود، في وقت كانت أغلب تشريعات الدول تقف ضد أصحاب الميول الجنسية المختلفة، وكانت جائحة الإيدز في ذروتها حاملة وصمًا اجتماعيًا واضحًا لمجتمع "الميم" الذي يضم مثليي الجنس، ومزدوجي التوجه الجنسي، والمتحولين جنسياً.
ظهرت "جوائز" تيدي في تلك اللحظة التاريخية قبل شهور من سقوط جدار برلين، واستمرت وتطورت حتى باتت من التقاليد الراسخة لبرليناله. وعلى الرغم من كونها تنظم بشكل مستقل عن إدارته كليًا، يمنح ارتباط الجائزة ببريناله قيمة ثقافية ملموسة، تزيد مع قيمتها في الحاضر، باعتبارها منصة حرة، متخلصة من القيود السياسية، ومن التوازنات التي تحكم أفعال كثير من منظمي الأنشطة الثقافية.
تمرد على الأعراف ومواقف سياسية
ترتبط ثقافة "الكوير" بالتحرر، وبالوقوف في وجه الأعراف النمطية المفروضة على الواقع، وهو ما انفجر العام الماضي عندما أدلت لجنة التحكيم ببيان قوي تدعم فيه سكان غزة وتطالب بتحرير الأراضى الفلسطينية.جاءت نسخة هذا العام من جوائز "تيدي" أكثر انضباطًا ربما يرجع ذلك لقرارات احترازية قد تم اتخاذها بشأن تخفيض عدد أعضاء لجنة التحكيم من خمسة إلى ثلاثة أعضاء فقط.
أفضل ما جاء في جوائز "تيدي" هذا العام كان كلمة المُكرم بجائزة إنجاز العمر، رئيس لجنة تحكيم المسابقة الدولية المخرج الأمريكي تود هاينس، والذي تحدث عن انخراطه في حركة الدفاع عن حقوق المثليين وحق مرضى الإيدز في العلاج، مستعيدًا شعور المشاركة في تغيير العالم، ومؤكدًا على ضرورة استرجاعه للوقوف في وجه القرارات الراديكالية التي اتخذها ترامب بخصوص القضايا الجندرية.
البهجة مكوّنًا رئيسيًا
تعد السينما، واتجاه "الكوير"، والسياسة ثلاثة أضلاع دائمة الحضور في جوائز "تيدي"، يكملها ضلع رابع وهو البهجة. فخصوصية تلك الأمسية السنوية تنبع في الانتقال المفاجئ من الأحاديث والموضوعات الجادة التي تشغل الحضور خلال حفل الجوائز، الاحتفال الصاخب الذي يليها في مسرح فولكشبونه (مسرح الشعب) في ساحة روزا لكسمبورج، والذي صار الموقع السنوي الدائم للجوائز.تستمر السهرة حتى الصباح، مع العديد من العروض الغنائية والراقصة، والأداءات الموسيقية في قاعات المبنى المختلفة، ليعيش المبنى العريق في تلك الليلة من كل عام احتفالية مختلفة عن برنامجه المعتاد. احتفالية يمتزج فيها كل شيء جميل ومثير للاهتمام في عالم السينما المعاصر.
2025 فبراير