توصيات الكتب  3 د خمسة كتب عليك بقراءتهم خلال أوقات الفراغ

تمتعوا بخمسة كتب من خمس دول مختلفة تصحبكم في رحلة تثقيفية محفزة.
تمتعوا بخمسة كتب من خمس دول مختلفة تصحبكم في رحلة تثقيفية محفزة. © الناشرين

تريدون البدء في قراءة الكتب ولاتعلمون من أين تبدءون؟ هل سئمتم من تحضير قائمة قراءة لن تتمكنوا من انجازها؟ يهدي إليكم فريق ومؤلفي مجلة رؤية خمسة كتب من خمس دول مختلفة تصحبكم في رحلة تثقيفية محفزة.

السفر كوسيلة لفهم الذات والعالم 

بمراجعة هدى عايض

عبد الكريم الشتي. “تسكّع في أمريكا اللاتينية”. صدر عن دار ذات السلاسل،  ٢٠١٧. يستند كتاب “تسكّع في أمريكا اللاتينية” على التجربة الشخصية للمؤلف، حين قرر أن يشرع في رحلة استكشافية، "مفتونًا" بأمريكا اللاتينية. خلال رحلته، ينتقل عبد الكريم بين الأرجنتين النائية، وفنزويلا التي وصفها بالساحرة، والمكسيك الملونة، وكوبا المعقدة، ناقلاً للقارئ ملاحظاته وتجاربه مع شعوب وثقافات هذه البلدان بأسلوب صادق وتأملي.

يحتوي الكتاب على تأملات عميقة في القضايا الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. من خلال تجاربه في دول مثل فنزويلا وكوبا، يسلط المؤلف الضوء على العلاقة المعقدة بين الفقر والسياسة، وهشاشة العدالة الاجتماعية عندما تنفصل عن الاقتصاد الحقيقي. ويناقش كيف أن تغيير النظام السياسي لا يكفي لتحقيق الازدهار ما لم يكن هناك مشروع اقتصادي حقيقي ومستدام. كما يتناول تأثير الاستعمار والهوية الثقافية والصورة النمطية للعرب في مجتمعات أمريكا اللاتينية. ويبرز أيضًا تقديره للمبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة كمحركات للتنمية الحقيقية، خاصة في المكسيك، حيث لاحظ كيف يمنح الاقتصاد الشعبي الفرد كرامته.

على المستوى الشخصي، يتعمق الكتاب في فكرة السفر كوسيلة لفهم الذات وتفكيك الأفكار المسبقة. يرى المؤلف السفر ليس هروبًا، بل محاولة لاكتساب فهم أعمق للعالم من حوله، وأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، وليس من الخارج.

اخترت هذا الكتاب لأنني كنت أبحث عن تجربة سفر غير تقليدية، لا تروي الرحلة كوجهات سياحية، بل كرحلة داخلية تطرح أسئلة حول الهوية والانتماء والآخر. انجذبت أولاً إلى العنوان، ثم اكتشفت أن المؤلف لا ينقل فقط ما رآه، بل يكتب بصدق عما شعر به، وما أثار فضوله أو خيَّب أمله. أنا مهتم أيضًا بفهم المجتمعات من منظورها اليومي والبسيط، وهذا بالضبط ما وجدته في هذا العمل.
 

الشرطي كإنسان

بمراجعة فراس حميه

فوزي زبيان. "مذكرات شرطي لبناني". صدر عن دار المتوسط، ٢٠٢٤. في روايته "مذكرات شرطي لبناني"، يقدم فوزي زبيان سردًا هجينًا يدمج بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي، مستندًا إلى تجربته الفريدة داخل قوى الأمن الداخلي. الرواية ليست مجرد توثيق لسنوات خدمته، بل هي استكشاف للهوية الفردية تحت نظام سلطوي. الشرطي هنا ليس رمزًا للانضباط، بل إنسانًا يختبئ خلف الزي العسكري كقناع اجتماعي، بينما روحه تقاوم، تراقب، وتكتب. وهكذا تصبح المذكرات نصًا مزدوجًا: خارجيًا يُوثق المهنة، وداخليًا يغوص في الشرخ النفسي الذي يعيشه الفرد المحاصر بين سلطة المؤسسة ورفض الذات.

من خلال هذه الرواية، يتخذ زبيان موقفًا تأمليًا مزدوجًا: فهو يسرد عمل الشرطة بلغة عامية خالصة، وفي الوقت نفسه يستخدم الكتابة كأداة لتفكيك السلطة والمجتمع اللبناني. هذا المزج بين الشخصي والسياسي، بين اللغة اليومية الجافة والمراجع الثقافية، يحول المذكرات إلى شهادة أدبية عن حقبة لبنانية متصدعة، حيث الدولة مقسمة على أسس طائفية، والمجتمع مُختزل إلى هويات هشة. الرواية ليست سيرة ذاتية فحسب، بل وثيقة حية لبلد يتآكل من الداخل.

تسلط الرواية الضوء على الواقع اللبناني من داخل قوى الأمن الداخلي، موضحة كيف أن الطائفية ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة في لبنان. يصف زبيان لبنان بأنه "بلد على الحافة"، حيث القوى السياسية والطائفية تتحكم بالمؤسسات، تقمع الحريات، وتفرض هيمنتها على المجتمع، تاركة الناس يعيشون في خوف وقمع دائمين. تعكس الرواية تشابك السياسي والطائفي داخل أجهزة الدولة، وتقدم تصويرًا ساخرًا بظلامية للانهيار الداخلي الذي عاشه لبنان، خاصة خلال فترة الاحتلال السوري، كاشفة عن نظرة تراجيكوميدية للحالات والتحديات التي شهدها.
 

اثر الفراشة

بمراجعة مودة طارق, محررة وسائل التواصل الاجتماعي لمجلة رؤية

"اثر الفراشة". صدر بواسطة عديلة، ٢٠٢٥. هل أنت مؤيد لاستخدام الفن كوسيلة للتغيير الاجتماعي، أم تؤمن بصنع الفن فقط لأجل الفن نفسه؟  

أيًّا كان اختيارك، فهذا لا ينفي حقيقة أن الفن، على مدى التاريخ، استُخدم لنقل رسائل سياسية واجتماعية ودينية، وكان دائمًا أداة لتشكيل الوعي العام والدعوة لقضايا مجتمعية مختلفة. من مصر القديمة إلى أوروبا في العصور الوسطى وعصر النهضة، ومن الثورة الفرنسية إلى جداريات المكسيك، وحركة "الفنون السوداء" في الولايات المتحدة، والفن الفلسطيني بمختلف أشكاله—من الموسيقى والأغاني إلى الجداريات واللوحات والغرافيتي، وصولًا إلى الأدب والنثر.  

في أعقاب الربيع العربي، ومحاولات المراقبة والرقابة، وجدت العديد من الحركات الاجتماعية في المنطقة العربية في الفن وسيلة ذات معنى وفعالية لنشر رسائلها والدعوة لقضاياها.  

الكتاب الإلكتروني متاح عبر الإنترنت ويمكن الوصول إليه أو تحميله من [هذا الرابط].
 

ملحمة عابرة للأجيال

بمراجعة نور الدين بسعدي

عقلي تادجر. "من رُكام ومجد". صدر عن دار الكسبة، ٢٠١٤. بعد ثلاث سنوات من رواية "من الحب والحرب" وسنتين من رواية "من الجرأة والحرية"، يختتم عقلي تادجر ثلاثيته الجزائرية بروايته الجديدة "من رُكام ومجد". تغوص هذه الرواية في حرب الجزائر وتداعياتها المأساوية، حيث يعود آدم الحاج محمد آيت عمر وأبوه إلى الجزائر بعد اتفاقيات إيفيان عام ١٩٦٢ ليعيدا بناء حياتهما في بلد مزقته العنف.  

آدم، المحامي المتخرج في فرنسا والمدافع عن الاستقلال، يُكلَّف بقضية شائكة: الدفاع عن إيميليان بوستورينو، المنتمية لمنظمة الجيش السري (OAS) والمدافعة عن الجزائر الفرنسية، ما يُشكّك في مبادئه. وفي المقابل، يعود والده إلى قريته الأصلية حاملاً ذكريات مؤلمة وفقدان حبيبته زينة، والدة آدم.  

تضع الرواية تجربة جيلين وجهًا لوجه: جيل الشباب الذي يجب أن يقرر مصير البلاد، وجيل الآباء الذي يواجه أشباح الماضي. "من رُكام ومجد" هي ملحمة تاريخية طموحة تُختتم بها ثلاثية مؤثرة، وتُقدَّم كتحية للجزائر، البلد الذي لا يزال يعالج جراحه.  

أنصح بهذه الرواية لأنها تصوّر ببراعة الانقسام المستمر في المجتمع الجزائري حول حرب التحرير الوطني، تلك الفترة المظلمة من تاريخه الحديث. فبعد أكثر من ٦٠ عامًا على الاستقلال، لا يزال هناك حاجة ماسّة للتأمل المستمر وإحياء الذكرى.
 

تتبُع آثرها 

بمراجعة محمد سالم, مساعد محرر مجلة رؤية

ايمان مرسال. "في اثر عنايات الزيات". صدر عن دار الكتب خان، ٢٠١٩.
ايمان مرسال. "اثار عنايات". صدر عن اند اذر ستوريز، ٢٠٢٣ (النسخة الأنجليزية).
تخيّل أنك توحدت مع شخصٍ عاش قبل خمسين عامًا. تمشي في الشوارع ذاتها التي عبرها—وإن تغيرت المباني والأسماء—محاولًا أن تتخيل حياته اليومية ويأسه الذي دفعه إلى إنهاء حياته. في عمل غير تقليدي، تنجذب الشاعرة والباحثة إيمان مرسال في أوائل تسعينيات القرن الماضي إلى رواية الكاتبة المجهولة  عنايات الزيات، لتعود إلى تلك الرواية مرارًا على مر السنين، حتى تقرر في أواخر ۲۰۱٤ أن تتبع "أثرها".  

يمزج الكتاب بين التحقيق والتاريخ والسيرة الذاتية وتأملات شخصية حول الأنوثة والأمومة، ليقدّم بانوراما للمشهد الثقافي المصري بعد عام ١٩٥٢. "في أثر عنايات الزيات" ليس سيرة تقليدية، فمرسال توضح منذ البداية أنها لا تعيد بناء حياة عنايات، بل تحاول فك شفرة—باستخدام رؤى اجتماعية، سياسية، قانونية، ونفسية—لفهم نهايتها المأساوية.  

في مطلع الخمسينيات، كانت عنايات، الطالبة المجتهدة في "المدرسة الألمانية بالدقي"، تجلس بنفس الصف مع فتاة تدعى بولا شفيق ، التي ستصبح فيما بعد نادية لطفي  النجمَة السينمائية اللامعة في السينما المصرية. كلتاهما حلمت بحياة مثقفة وحرة، لكنهما سرعان ما تزوجتا وداهمتهما الأمومة، تاركين الدراسة. بينما صعدت نادية إلى الشهرة، انتهى زواج عنايات المضطرب بالطلاق ومعركة  مريرة على حضانة طفلها. أعادت عنايات بناء حياتها بالعمل في معهد الأثار الألماني، بينما كانت تكتب روايتها الثانية (بعد أن قدمت روايتها الأولى "الحب والصمت" للنشر—والتي ستُنشر بعد وفاتها).
 
تتساءل مرسال عما إذا كان المشهد الأدبي الذكوري قد عصف بموهبة عنايات، خاصة أن أعمالها تناولت مواضيع مثل الهشاشة النفسية والاكتئاب، وهي المواضيع التي كانت غريبة على القارئ العربي آنذاك. قبل انتحارها، رُفضت روايتها من قبل الناشر، وحاز زوجها على حضانة ابنهما مستنداُ إلى تشخيصها الطبي بالاكتئاب كدليل على عدم أهليتها للأمومة.  

رغم قتامة الموضوع، يعيد هذا العمل زيارة حقبة محورية في التاريخ المصري—الفجوة بين وعود نظام ١٩٥٢ والواقع القاسي الذي عاشته نساء مثل عنايات، اللواتي طمُست حساسيتهنّ ومواهبهنّ، قبل أن تعود إلى السطح بعد عقود.
 

المزيد ...