الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم العالي  2 د عندما يهدد الذكاء الاصطناعي المعرفة

يغيّر الذكاء الاصطناعي المعرفة. كيف يؤثر على التفاعل والمشاركة لدى الطلاب؟ وما هي تأثيراته على فهم الجامعات لذاتها؟ وماذا يعني بالنسبة لأهمية التفكير النقدي في توليد المعرفة؟ هذه الأسئلة يعالجها ييبي كليتجارد شتريكر.
 

يمر التعليم الجامعي بأزمة مستمرة. ولا تتعلق هذه الأزمة فقط بمسائل المعلومات المضللة أو الخاطئة، بل تتعلق بشيء قد يكون مدمرًا بنفس القدر: أزمة ناتجة عن المعرفة الاصطناعية، التي يصاحبها تلوث في بيئتنا المعرفية، يتم من خلاله تقويض المبادئ الأساسية لما نعتبره معرفةً، وما يستحق المعرفة، وما نعتبره حقيقة.

بالطبع، المشكلة ليست في وجود محتوى مولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في أن ذلك المحتوى يبدو بشكل متزايد وكأنه معرفة، مع أنه لا يخضع لآليات توثيق المعرفة التقليدية. فالحواجز التقليدية مثل مراجعات الأقران، والمناقشات العلمية، والشفافية المنهجية تفقد وزنها في بيئة تُكتسب فيها المصداقية ليس بالخبرة المتخصصة، بل بالقدرة على الإقناع اللفظي. لقد أصبحت الادعاءات المصاغة بشكل جيد، والمنظمة بوضوح، والمقدمة بثقة تُقبل أكثر فأكثر على أنها معرفة أو حقيقة، بغض النظر عن وزنها المعرفي.

لا يتعلق الأمر هنا فقط بأن الطلاب يكتبون مقالاتهم بمساعدة "تشات جي بي تي"، بل بأن مؤسسات كاملة مثل الجامعات ودور النشر والهيئات السياسية تتعامل بشكل متزايد مع محتوى مُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي، مما يطمس الحدود بين الفهم البشري والمعقولية الإحصائية. ماذا يحدث عندما لا يعود بإمكان أولئك المسؤولين عن إنتاج المعرفة التأكد من مصدر المعرفة، أو مما إذا كانت تعتمد على الإنجازات الفكرية، التي كانت في يوم من الأيام تحدد العمل العلمي؟

تصاعد الاقتناع الاصطناعي

لا يكمن الخطر الذي يشكله الذكاء الاصطناعي التوليدي في أنه ينتج أحيانًا معرفة متخيَّلة وحسب، ولا تكمن الأزمة فقط في أن الذكاء الاصطناعي يرتكب الأخطاء. فالأخطاء يمكن تصحيحها. ولكن تكمن الأزمة في أن الذكاء الاصطناعي يربط المحتوى بشكل منطقي، ويُنتج نصوصًا تتماشى مع قواعد بنية الحُجّة بطريقة تمنع وقوع الشك منذ البداية. أمامنا عالم لم يعد يُنتج المعرفة من خلال النقاشات والمجادلات، بل يجمعها استنادًا إلى توقعات إحصائية. عالم يحل فيه ما يبدو موثوقًا محل الحقيقة.

بدأ الطلاب بالفعل يشعرون بهذا التحول. عندما يُكَلف المشاركون في الدورات بمهمة كتابة تحليل جدلي، يلجأ كثيرون منهم اليوم أولاً إلى التفسيرات المولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، لأن تلك التفسيرات تقدّم إجابات واضحة وسهلة الهضم، وبصياغة متقنة. لكنها في الجوهر مجرد عبارات جوفاء، لأنها لا تمثل تفسيرًا حقيقيًا بحد ذاته، بل تقدم ملخصًا، يبدو متخصصًا وعلميًا، كبديل عن الانخراط الفعلي في النص. النتيجة ليست فقط جيلًا من الطلاب يجد صعوبة في القراءة المتعمقة، بل أيضًا تغيُّر في المعنى الحقيقي للقراءة نفسها.

ففي تلك العملية يتم بدلًا من الانخراط العميق مع نص معقد وكتابة إجابة معرفية، الوصول بسرعة فائقة إلى مجموعة ضخمة من التفسيرات المسبقة، وأحيانًا يتم اللجوء لتفسيرات الذكاء الاصطناعي لاستكمال التعامل العميق مع النص.

بهذه الطريقة، تتقدم الأزمة عبر المعرفة الاصطناعية. ليس عن طريق المعلومات الخاطئة بالكامل، بل من خلال فقدان تدريجي لأهمية المعايير التي تميّز بين المعرفة الحقيقية والمعرفة المزعومة.

المسؤولية المشتركة للقطاع الجامعي

لا يمكن وصف الجامعات بأنها ضحايا أبرياء في هذه الأزمة الحالية للمعرفة الاصطناعية. بل على العكس، فهي تسهم في تسريعها. تحت الضغط المستمر لتأمين الموارد، وإنتاج الأبحاث، وجمع الاستشهادات، وإنتاج "محتوى مؤثر"، نشأت بيئة تُفضل الكمية على محتوى المعرفة. لقد أصبحت الأبحاث سلعة، والذكاء الاصطناعي التوليدي يزيد من تعزيز اتجاه كان موجودًا بالفعل: تحويل إنتاج المعرفة إلى سلعة رأسمالية، حيث يُقاس الإنجاز الفكري بشكل متزايد بمؤشرات كمية تكافئ السرعة وليس المحتوى.

مثال على ذلك هو انتشار مقالات ما يُسمى بـ"مصانع الأبحاث" Paper Mills في البحث العلمي. فباستخدام الذكاء الاصطناعي، أصبح من السهل جدًا اليوم توليد أبحاث تبدو مقنعة، والتي غالبًا ما تُنشر في مجلات علمية أقل شهرة. ولكن كيف تتعامل الجامعات مع هذا التطور؟ يتم ذلك من خلال برامج كشف أكثر تطورًا، وسياسات إضافية لمكافحة الغش، وإجراءات تفاعلية أخرى، لكن كل ذلك لا يستهدف المشكلة الجوهرية: فالهيكل الأكاديمي يُقدّر أساسًا وهم الإنتاجية أكثر من الأداء الفكري الفعلي. الذكاء الاصطناعي ليس المرض؛ بل هو عرض لنظام سبق له أن أعطى الأولوية للنتائج القابلة للقياس على حساب البحث العلمي الجوهري.

ما هو أسوأ من ذلك: أن العديد من المؤسسات تعتمد على الذكاء الاصطناعي بحجة الفعالية. فهي تروج لأنظمة التقييم الآلية، والتغذية الراجعة المولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وتصميم المناهج القائم على الخوارزميات كحلول للضغط الإداري. لكن ما الهدف من هذه الفعالية؟ عندما يُسند التقييم إلى نظام لا يستطيع التمييز بين الانخراط الجاد والاتساق السطحي، فإن أساس التعليم الجامعي يصبح مهددًا.

لقد خلقنا بيئة تجعل كلًّا من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس يقعون، بشكل شبه لاواعي، في الميل نحو التركيز على الأداء بدلاً من الانغماس الجوهري في المعرفة. بالطبع، لا يزال البحث العلمي الجاد قائمًا ويُنشر. ومع ذلك، فإن ضغط الوقت يظل دائمًا رفيقًا خفيًا حتى بين أكثر العلماء جدية. فضلًا عن ذلك فإن الطلاب لا يرون بالضرورة أن ما يقومون به يُعد "غِشًا" بالمعنى التقليدي، فعندما يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء مقالاتهم ويقومون بتعديل النتائج قليلًا – فهم ببساطة يتكيفون مع بيئة أصبح فيها إنتاج المعرفة محاكاةً بشكل متزايد بدلًا من أن يكون ناتجًا عن جهد حقيقي. هل هذا خطأ؟ ربما – وربما لا.

مستقبل المعرفة في قطاع التعليم العالي

يمكن لقطاع التعليم العالي أن يعزّز الدقّة المعرفية، إمّا من خلال عمليات تمنح المعرفة معنى جديداً عبر إعادة التفكير في التدريس والبحث، أو أن ينجرف أكثر نحو عصر الاستهلاك غير المقيّد والسهل للمحتويات الفكرية وسط بحر من المعرفة الاصطناعية.

هذه ليست دعوة لمعاداة التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي سيحصل، ويجب أن يحصل، على مكان في التعليم العالي. غير أنّ هذا المكان لا يمكن أن يُمنح له بلا نقد، ولا بحجة المكسب الإنتاجي وحده. إذ إنّ ما هو على المحك ليس أقل من النزاهة المعرفية الكاملة للجامعة. فإذا استطاع قطاع التعليم العالي أن يتكيّف مع المحتويات المولّدة بالذكاء الاصطناعي، فهو بذلك يتنازل عن دوره كحارس للبحث العلمي والفضول المعرفي.

ليس من السهل التعامل مع مثل هذا التحوّل.
ولهذا، يجب على المؤسسات إعادة النظر في معايير تقييمها، بحيث تُعطي الأولوية للعملية على النتيجة، وتُؤكّد قيمة المناهج التخصصية التي لا يمكن اختزالها بسهولة، وتُعلّم طلابها كيفية التمييز بين المعرفة الحقيقية ونقيضها الاصطناعي. بالتأكيد، هذه مهمة مرهقة وتحتاج إلى وقت طويل.

ولكن البديل يبدو أسوأ: مستقبل لا تصبح فيه الجامعات مكانًا لاكتشاف الحقيقة، بل نقطة وصل لتبادل حُجج وبراهين مُحكمة الصياغة، لكنها فارغة من المحتوى، تُولَّد باستمرار وتنتشر بلا حدود، دون ذلك الجدل الفكري، الذي كان يومًا يحدد قيمة المعرفة.
 

المزيد ...