يستخدم الرياضيون المحترفون تقنيات ذهنية تمكنهم من الأداء تحت ضغط شديد. لكن ما يغيب عن بال الكثيرين هو أن هذه الأساليب نفسها قد تكون مفيدة في الحياة اليومية، إذ تساعد على منع التوتر من التسبب في إجهاد مفرط. يشرح البروفيسور ماركوس راب من الجامعة الرياضية الألمانية في كولونيا كيف يتم ذلك.
يستخدم الرياضيون رفيعي المستوى تقنياتٍ ذهنية تمكّنهم من الأداء تحت ضغطٍ شديد للغاية. وما لا يدركه كثير من الناس هو أن تلك الأساليب يمكن أن تكون مفيدة أيضًا في الحياة اليومية، إذ تساعد على منع التوتر من التسبب في إجهاد مفرط. يوضح البروفيسور ماركوس راب من الجامعة الرياضية الألمانية في كولونيا كيف يحدث ذلك.عندما يتنافس الرياضيون على أعلى المستويات، تصبح القوة الذهنية العامل الحاسم — إذا كانت جميع العوامل الأخرى متساوية. ولكن ما الذي يحدث بالضبط في أدمغة كبار الرياضيين عندما يكون كل شيء على المحك في المباراة النهائية؟ وكيف يستعدون لهذا التحدي؟
يدرس البروفيسور ماركوس راب، أستاذ علم النفس ورئيس قسم علم نفس الأداء في الجامعة الرياضية الألمانية في كولونيا، هذه المسألة تحديدًا. ففي إطار مشروع «in:prove» (المدعوم من قبل وزارة الداخلية الفيدرالية عبر المؤسسة الفيدرالية لعلوم الرياضة، يشرف فريقه على ما يقرب من 900 رياضي من المنتخبات الوطنية الألمانية طوال دورة أولمبية كاملة.
ويجري قياس المهارات المعرفية، مثل القدرة على الانتقال بين المهام المختلفة، والتنظيم الذاتي للعواطف، وسرعة اتخاذ القرار، مرتين سنويًا. وبناءً على النتائج، يتلقى الرياضيون بعد ذلك توصيات فردية حول التقنيات التي ينبغي لهم التركيز على تطويرها وتحسينها.
تقع الجامعة الرياضية الألمانية، أو SpoHo اختصاراً، في مدينة كولونيا. | © Deutsche Sporthochschule Köln / CC BY 2.0
- التحكم في الانتباه: تعلم التركيز على المعلومات المهمة وتجاهل المشتتات، مثل هتافات الجماهير أو صيحاتهم.
- الحديث الذاتي: توجيه تعليمات قصيرة ومركزة نحو الفعل إلى النفس بهدف تنظيم المشاعر أو استعادة التوازن بعد ارتكاب خطأ.
- الروتين تحت الضغط: اتباع إجراءات ثابتة قبل المنافسة وبعدها تمنح الفرد شعورًا بالطمأنينة والسيطرة حتى في أكثر المواقف فوضوية.
- التنظيم الذاتي للعواطف: القدرة على التحكم الواعي في ردود الفعل العاطفية، بما يتيح التعافي السريع من الأخطاء على سبيل المثال.
- التصور الذهني: القدرة على استعراض المواقف الحرجة والعمليات الحركية ذهنيًا قبل حدوثها فعليًا.
من الملاعب الرياضية إلى الحياة اليومية
إجابة راب واضحة وحاسمة: «نحن بحاجة إلى تنظيم مستويات التوتر لدينا في جميع المواقف التي تنطوي على ضغوط عالية. وهذا لا يقتصر على الرياضة الاحترافية، بل يشمل أيضًا الممرضين الذين يضطرون لاتخاذ قرارات تحت الضغط، والمديرين الذين يتحملون مسؤوليات كبيرة، والآباء أو الأمهات الذين يربّون أبناءهم بمفردهم ويواجهون ضغوطًا طويلة الأمد مع وقت محدود للراحة والاسترخاء».التقنيات المستخدمة هي نفسها تقريبًا تلك المعتمدة في الرياضة. غير أن الرياضيين يتمتعون بميزة تتمثل في أنهم يتلقون تدريبًا منهجيًا على التعامل مع المواقف الضاغطة، بينما يضطر معظم الناس إلى الارتجال. ومع ذلك، فإن هذه الأساليب قابلة للتطبيق مباشرة في الحياة اليومية، مثل:
- تمارين التنفس وطقوس الاستعادة السريعة لتحقيق التنظيم العاطفي.
- التركيز الواعي على مهمة واحدة بدلًا من تعدد - المهام.
- استخدام الحديث الذاتي لتذكير النفس بالهدوء والتركيز على الأمور الأساسية.
ويقول راب: «كل ذلك يمكن أن يساعد في المواقف المجهدة. ويمكن ممارسة هذه الأساليب بشكل منهجي وقياس آثارها نفسيًا».
كما يمكن أن يكون إعادة التأطير الذهني مفيدًا، أي النظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة عمدًا. فبدلًا من اعتبار الموقف تهديدًا، يمكن للمرء أن يقول لنفسه: «هذا تحدٍّ أقبله». ويُعرف هذا في علم النفس الرياضي بمفهوم «التركيز على ما يمكن التحكم فيه». أما الأمور الخارجة عن السيطرة، فينبغي التعامل معها من خلال تقبلها وتنظيم الاستجابة لها.
وينطبق هذا المبدأ خارج الرياضة أيضًا؛ فالشخص الذي يربي أبناءه بمفرده، مثل الرياضي النخبة، عليه أن يتعلم أن السيطرة على جميع العوامل ليست ممكنة دائمًا.
على الرغم من تفوق فورمان البدني الواضح عليه، إلا أن محمد علي انتصر في مصارعة الملاكمة الأسطوري عام ١٩٧٤، مصارعة "مصارعة الأدغال"، ضد جورج فورمان المرشح الأوفر حظاً للفوز. | United Press International, Public domain, via Wikimedia Commons
ماذا يحدث إذا لم تتم السيطرة على التوتر؟
يرى راب أن التكلفة الاجتماعية للإجهاد المفرط في الحياة اليومية كبيرة للغاية. فالتوتر الحاد الذي لا تتم السيطرة عليه قد يتفاقم ويتحول إلى توتر مزمن، مما قد يؤدي إلى الاحتراق النفسي أو الاكتئاب.ويضيف: «من أجل الحفاظ على صحة نفسية جيدة، من الضروري ممارسة الروتينات المناسبة، إلى جانب استراتيجيات التكيف العاطفي والمعرفي. ففي كل موقف تكون فيه صحتنا معرضة للخطر — سواء بسبب العمل أو الدراسة أو الحياة الشخصية — يمكننا تعلم كيفية التعامل مع المخاوف والضغوط المفرطة».
ويشير إلى أن الفوائد المحتملة هائلة في العديد من المجالات:
في بيئة العمل: يمكن تدريب المديرين على اتخاذ قرارات أكثر عقلانية تحت الضغط.
في التعليم: يمكن للمعلمين والطلاب تعلم التعامل بشكل أفضل مع ضغوط الأداء.
في قطاع الرعاية الصحية: يمكن دعم الممرضين الذين يواجهون ضغوطًا هائلة بشكل يومي.
ويقول راب: «كمجتمع، نقضي وقتًا أطول في الجلوس، ونستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي بشكل متزايد. وفي مثل هذه البيئة، يمكن للرياضة وعلم النفس الرياضي أن يساهما في تحسين أدائنا وصحتنا النفسية على حد سواء».
وتدعم الأدلة العلمية هذا الرأي بوضوح. فالأطباء وعلماء النفس يتفقون على أن القوة الذهنية تسهم في تحسين الأداء بشكل عام، حتى عندما لا يكون الهدف هو الفوز وحده. صحيح أن الفوز بميدالية ذهبية يعتمد على عوامل عديدة، وليس فقط على القدرات المعرفية، إلا أن راب ما زال يؤمن بقوة بقاعدة أساسية مفادها:
«عندما تتساوى جميع العوامل الأخرى، فإن العقل هو من يحسم النتيجة.»