امريكا الشمالية  من لعبة المايا الكروية إلى المساواه في الأجور

المكسيك والولايات المتحدة وكندا: تستضيف هذه الدول الثلاث في أمريكا الشمالية بطولة كأس العالم 2026. ومع ذلك، فقد تطورت كرة القدم بشكل مختلف تمامًا في كل منها. من المكسيك، بتقاليدها العريقة في ألعاب الكرة التي تمتد لآلاف السنين، إلى كندا التي لا تزال مجهولة إلى حد كبير، نقدم لكم لمحة عن هذه الدول الثلاث وتقاليدها الكروية.

المكسيك

قبل نحو 3000 عام، كانت واحدة من أقدم ألعاب الكرة في العالم — «أولاما» أو «خوكو دي بيلوتا» — تُمارس بالفعل على الأراضي التي تُعرف اليوم بالمكسيك. في هذه اللعبة لم يكن يُسمح للاعبين بلمس الكرة بأقدامهم. ومع ذلك، وبالنظر إلى هذا الإرث الممتد لآلاف السنين في ألعاب الكرة، فليس من المستغرب أن كرة القدم الحديثة أصبحت شديدة الشعبية في المكسيك.
صورة لملعب كرة في موقع أثري

كانت ألعاب الكرة شائعة بالفعل في المكسيك منذ آلاف السنين: ملعب كرة في موقع مونتي ألبان الأثري، العاصمة السابقة لشعب الزابوتيك. | © Tjeerd Wiersma/FlickR/CC BY 2.0

أدخل عمّال المناجم البريطانيون اللعبة إلى المكسيك في أواخر القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت، كان يُنظر إلى كرة القدم باعتبارها وسيلة جيدة لتعليم الرجال مهارات مثل الانضباط وروح الفريق والطاعة والرغبة في الفوز. لذلك ليس من المستغرب أن العديد من الشركات المكسيكية شاركت في تأسيس أول الأندية. وتم تأسيس دوري محترف للرجال عام 1943، واليوم تُعد كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في المكسيك.

ولم يقتصر دور المكسيك الريادي على قبل 3000 عام فقط؛ إذ استضافت أيضًا إحدى أولى بطولات كأس العالم غير الرسمية للسيدات عام 1971. وكان حجم البطولة كبيرًا بمعايير ذلك الوقت، حيث حضر أكثر من 100,000 متفرج نهائي البطولة في ملعب أزتيكا. ولم يكن اختيار المكسيك لاستضافة البطولة صدفة، ففي الوقت الذي كانت فيه كرة القدم النسائية محظورة في أماكن أخرى، كانت تزدهر هناك، وكان لديها دوري يحظى بتغطية إعلامية واسعة. ويوجد دوري نسائي محترف في المكسيك منذ عام 2017.

ولا تُعد كرة القدم الرياضة الأولى بلا منازع في شمال البلاد، بسبب قربها من الولايات المتحدة، حيث تحظى البيسبول وكرة السلة بشعبية كبيرة أيضًا.

الولايات المتحدة

لا يزال الأمريكيون معروفين بفتور اهتمامهم بكرة القدم. ويهدف كأس العالم القادم إلى تغيير هذا الاتجاه، حيث تأمل الفيفا والأندية الأوروبية في نمو اللعبة وتحقيق أرباح كبيرة.

ومع ذلك، فإن لكرة القدم تاريخًا طويلًا في الولايات المتحدة، إذ تأسس أول نادٍ عام 1862، ووجود دوري للرجال كان قائمًا بالفعل في عشرينيات القرن الماضي. لكنها لم تتمكن من منافسة الرياضات الأمريكية الكبرى مثل كرة القدم الأمريكية وكرة السلة والبيسبول وهوكي الجليد، إذ كان يُنظر إليها طويلًا على أنها «ليست عنيفة بما يكفي»، وأنها رياضة مخصصة للنساء والأطفال. وهي تحظى بشعبية كبيرة بين المهاجرين من أمريكا اللاتينية.
وقد تكررت محاولات «صناعة» شعبية لكرة القدم، مثل التعاقد مع نجوم كبار كـفرانتس بيكنباور وبيليه اللذين لعبا لنادي نيويورك كوزموس في أواخر السبعينيات، أو استضافة كأس العالم للرجال عام 1994. لكن هذه الاستراتيجيات لم تحقق أثرًا طويل المدى.

في المقابل، اكتشف بعض المليارديرات الأمريكيين شغفهم بكرة القدم منذ فترة طويلة؛ ففي عام 2023 كان نحو ثلث أندية الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا مملوكًا كليًا أو جزئيًا لمستثمرين أمريكيين، كثير منهم من شركات الاستثمار الخاصة، ولا يزال هذا التوسع مستمرًا.

وعلى الرغم من أن كرة القدم الرجالية لم تنتشر على نطاق واسع، فإن المنتخب النسائي الأمريكي يُعد من الأفضل عالميًا، وقد أنتج نجمات بارزات مثل ميغان رابينو وأليكس مورغان، اللتين ترتبطان بقضايا النسوية وحقوق مجتمع الميم والمساواة في الأجور. وفي عام 2022 حقق المنتخب الأمريكي للسيدات إنجازًا مهمًا عندما حصل على مساواة في الأجور مع الرجال، مما ألهم حركات مشابهة حول العالم.

كما تلعب أندية مثل «بورتلاند ثورنز» التقدمية أو «أنجل سيتي إف سي» التي أسستها مستثمرات نسائيات دورًا مؤثرًا. وغالبًا ما يشيد اللاعبون والمسؤولون الأجانب في الولايات المتحدة بظروف العمل هناك.
صورة تجمع ميغان رابينو وسام ميويس وهما تتعانقان في أحد الملاعب.

يُعدّ المنتخب الأمريكي للسيدات من بين أفضل المنتخبات في العالم، وقد أصبحت لاعبة المنتخب ميغان رابينو نجمة عالمية، ومدافعة عن حقوق المرأة و مجتمع الميم. | © Jamie Smed/CC BY 2.0

كندا

تُعد كندا ربما «المجهول الأكبر» بين الدول المستضيفة. فلن تُقام مباريات كأس العالم إلا في ولايتين كنديتين فقط، وكثير من المشجعين لا يربطون كندا بكرة القدم كثيرًا، رغم أن اللعبة تطورت بشكل ملحوظ هناك خلال العقد الماضي.

ظلّت كرة القدم لفترة طويلة في ظل هوكي الجليد واللاكروس، لكن كندا استثمرت مؤخرًا بشكل كبير في اللعبة وفي تطوير الجيل الجديد من اللاعبين. وقد أثمر ذلك بالفعل: أصبحت كرة القدم اليوم تضم عددًا أكبر من اللاعبين النشطين مقارنة بأي رياضة أخرى في البلاد.

يوجد دوري احترافي للرجال منذ عام 2019، وقد جنت البلاد ثمار هذه الجهود عندما تأهلت لكأس العالم للرجال عام 2022 لأول مرة منذ نحو 40 عامًا. كما تمتلك كندا لاعبًا من الطراز العالمي هو ألفونسو ديفيز، الذي يلعب مع المنتخب الوطني منذ 2017. ومع ازدياد نجاح كرة القدم، تزداد أيضًا حماسة السكان لها.
يتنافس لاعبا كرة القدم، إميل فورسبيرغ (لايبزيغ، رقم 10) وألفونسو ديفيز (بايرن ميونخ، رقم 19)، على الكرة.

يلعب ألفونسو ديفيز، لاعب المنتخب الكندي، مع بايرن ميونخ منذ عام 2019. | © Steffen Prößdorf / CC BY 4.0

لكن المنتخب النسائي هو الذي يتفوق فعليًا؛ إذ يُعد أكثر نجاحًا من منتخب الرجال، وكان أعظم إنجازاته الفوز بالميدالية الذهبية في الألعاب الأولمبية عام 2021. ومع ذلك، عانت اللاعبات طويلًا من ضعف الرواتب وسوء الظروف، وهددن بالإضراب قبل كأس العالم 2023. ورغم تحقيق المساواة في الأجور لاحقًا، فإنهن يؤكدن أن المعركة لم تنتهِ بعد، إذ ما زلن يطالبن بالمساواة الكاملة في الظروف أيضًا.

المزيد ...