أفلام ممنوعة  كسر الصمت: أفلام سورية محظورة تجد جمهوراً جديداً في الوطن

في أعقاب نظام الأسد، لا تزال السينما وسيلة للمقاومة تسعى جاهدة للحفاظ على استقلالها وسط سياسات قمعية تحد من حرية التعبير الفني.

في صالة صغيرة وحميمة في قلب دمشق، يجلس ملء غرفة من الأشخاص على حافة مقاعدهم وهم يشاهدون فيلماً كان يبدو من المستحيل عرضه في سوريا ذات يوم.

يوثّق فيلم "تدمر" (2012) معاناة السجناء في مركز احتجاز صحراوي سيّئ السمعة في مدينة تدمر الأثرية، مصوراً آلام الذين اعتُقلوا تحت حكم نظام الأسد القمعي.

عندما تواصل نادي سينما جرمانا في دمشق مع مونيكا بيرغمان، المخرجة الألمانية المشاركة في فيلم تدمر، لأجل عرض الفيلم كانت تلك اللحظة لحظة مشوبة بالحلو والمر معاً— إذ إن زوجها، وهو المخرج المشارك، السينمائي اللبناني لقمان سليم، كان قد اغتيل على يد حزب الله في عام 2021. قالت مونيكا، وهي لما تزل غير مصدقة: "ظننت أنني أحلم. هذا العرض هو الأهم بين كل المهرجانات التي شاركنا فيها."

تحت حكم الأسد، مُنع "تدمر" وغيره من الأعمال المقموعة من العرض في سوريا بسبب تصويرهذه الأعمال لوحشية الحكومة. فالنظام الذي وصل إلى السلطة إبان انقلاب عام 1963، كان يزهو بشبكة واسعة من أجهزة الأمن والمخبرين الذين خلقوا جواً من الخوف كمم أفوه السينمائيين والفنانين. كان أي تعبير يتحدى الرواية الرسمية يخضع لرقابة قاسية، مما حدا العديد من صناع السينما من سوريا إلى الهرب من الاضطهاد أو السجن. نتيجة لذلك، استُبدلت الساحة السينمائية السورية التي كانت نابضة بالحياة ببروباغاندا خاضعة لسيطرة الدولة، فيما كُمِّمت الأصوات المستقلة أو محيت بالكامل.

والآن، بعد سقوط النظام في كانون الأول ديسمبر 2024، بدأت أفلام مثل "تدمر" تُعرض أخيراً في أماكن عامة في مختلف أنحاء البلاد، في تحول مهم في المشهد الثقافي السوري، حيث كانت الرقابة الحكومية تخنق حرية التعبير الفني لوقت طويل.

تحوّل ثقافي في مرحلة ما بعد الأسد

لسنوات طويلة، عمل صُنّاع السينما في سوريا تحت حكم نظام الأسد القمعي، الذي كان يخنق أي شكل من أشكال المعارضة.

وبينما تظل الإحصاءات الدقيقة المتعلقة بصنّاع الأفلام غير واضحة، إلا ان التقارير تشير إلى أنه منذ انتفاضة عام 2011، تم اعتقال أو اختطاف أكثر من 200 ألف سوري، واختفى كثيرون منهم داخل مراكز اعتقال وحشية. وطال هذا القمع أيضاً المخرجين الذين تجرؤوا على تحدّي رواية النظام، ما دفع الكثيرين منهم إلى المنافي.

كانت المؤسسة العامة للسينما تحت حكم الأسد تسيطر بشكل صارم على إنتاج الأفلام، مروّجةً للأعمال التي تتماشى مع وجهة نظر النظام، فيما تقمع تلك التي تتناول المعارضة أو تاريخ البلاد المؤلم.

كانت أفلام مثل "نجوم النهار" (1988) لأسامة محمد و"طعم الإسمنت" (2017) لزياد كلثوم ممنوعةً، واضطر صانعوها إلى التوجه للجمهور الدولي لعرض نقدهم للحياة تحت حكم الأسد.
أما الآن، وفي مرحلة ما بعد الأسد، فيستطيع صانعو الأفلام السوريون تقديم قصصهم للجمهور الذي صُمِّمت من أجله في الأصل. يقول كلثوم: "بعد سنوات من التجوال حول العالم، أصبح فيلمي أخيراً في المكان الذي ينتمي إليه — يُعرض أمام جمهوره."

يظهر هذا التحوّل أيضاً في الأندية السينمائية المحلية مثل نادي سينما حركة البناء الوطني. يوضح أحمد حسن، رئيس النادي، أن تأسيسه قبل عقد من الزمن جاء بدافع الحاجة إلى تقديم سينما بديلة.

كان النادي يعرض بشكل متكرر أفلاماً من أوروبا الشرقية وآسيا وأمريكا اللاتينية تتناول موضوعات تشبه التجربة السورية. لكن هذه الأفلام لم تكن تتحدث مباشرة عن الوضع السوري، إذ إن أي انتقاد صريح كان سيؤدي إلى إغلاق النادي وتعريض منظّميه للخطر.

وقال حسن: "لم نكن نستطيع عرض انتقادات مباشرة للنظام، لكننا عرضنا أفلاماً تحمل رسائل ضمنية تنسجم مع النضال السوري، وتتناول موضوعات مثل العدالة والاعتقال والاختفاء القسري". كما رفض النادي عرض أفلام من المؤسسة العامة للسينما، لأنها كانت تلتزم برواية النظام.

أما الآن، فمع سقوط الأسد، يستفيد النادي من وجود مخرجين نازحين عادوا إلى سوريا. حيث يشير حسن إلى أن مخرجين مثل زياد كلثوم وإياس مقداد قدّما أعمالهما في النادي.

على أن هذه العروض ليست مجرد فرصة لمشاهدة أفلام جديدة؛ بل إنها تمثل تحولاً ثقافياً عميقاً. ومع بدء اضمحلال الرقابة، يستعيد الفضاء الثقافي السوري ببطء القصص التي قُمعت فيما مضى.

الحركة المتنامية من أجل حرية التعبير

في ظل هذا المناخ الثقافي الجديد، يجد صُنّاع الأفلام مساحة جديدة للتواصل مع الجمهور السوري. إن مبادرات مثل مشروع سينما الحرية الذي يقوده ناصر منذر في نادي السينما بجرمانا بدأت بعرض أعمال تتناول الثورة وما بعدها بشكل مباشر.

يعرض ناديه أفلامًا تُجسّد نضال الشعب السوري من أجل العدالة والحرية، بما في ذلك أعمال مثل "عودة" (2022) لغياث المحيتاوي، و"الحدود الخضراء" (2023) لأغنيسكا هولاند، وهو فيلم يستكشف موضوعات المنفى والتهجير.

يهدف منذر إلى إنشاء منصة يمكن للسوريين من خلالها أن يروا أخيرًا قصتهم الحقيقية بعيدًا عن عدسة النظام المشوّهة.

قال منذر: "تتحدث الأفلام المعروضة هنا مباشرة عن تجارب السوريين. إنها تُظهر لنا ما عشناه، والآن يمكننا أن نتشارك هذه القصص مع بعضنا بعضاً."
أثارت هذه التجربة نقاشات هادفة حول التأثيرات السياسية والشخصية للثورة، إذ أصبح صُنّاع الأفلام يتفاعلون مباشرة مع جمهورهم. فعلى سبيل المثال، عُرض فيلم "المشهد الأخير" لإياس مقداد، وهو فيلم يتناول الأيام الأولى للثورة، في جرمانا، حيث تمكن مقداد من مناقشة التحديات التي واجهته في صنع فيلم عن الثورة أثناء وجوده في المنفى.

قال مقداد: "لم تكن أسئلة الجمهور تتعلق بالجوانب التقنية لصناعة الفيلم فحسب، بل شملت أيضًا الموقف السياسي الذي يتبناه الفيلم. وبالنسبة لي كصانع أفلام، فهذه هي أهم الحوارات."

ومع عرض المزيد من الأفلام التي تتناول الثورة وما تلاها، ستساهم هذه الأعمال في تشكيل الذاكرة الجمعية للشعب السوري. وقد سرَّ مقداد رؤية عدد كبير من الشباب في صالة العرض. وأضاف: "لقد فاتهم الزمن المبكر للثورة وما رافقه من نضال. من الضروري تقديم رؤية جديدة لهم، رؤية تتحرر من بروباغندا النظام وصورة الإعلام للثوّار على أنهم مجرد ضحايا."

وهذا الانفتاح الجديد في المشهد الثقافي السوري يتعلق أيضًا بالشفاء. فمقداد، الذي عاش في المنفى منذ عام 2011، يرى في عودته إلى سوريا رمزًا للتعافي الشخصي والجماعي.

قال: "كنت أظن أنني سأموت غريبًا في أرضٍ أجنبية، لكن الآن يمكنني أن أشارك عملي مع أهلي، في المكان الذي بدأ فيه كل شيء."

نُشر هذا المقال بالتعاون مع إيجاب.