بريناله |تجارب  3 د برليناله 75: خواطر من مقعد لجنة التحكيم

أحمد شوقي يتوسط أعضاء لجنة تحكيم الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسي).
أحمد شوقي يتوسط أعضاء لجنة تحكيم الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسي). ©أحمد شوقي

في عالم المهرجانات السينمائية، يبرز دوران محوريان: عضو لجنة التحكيم والصحفي. ولكن ما الذي يفعله كل منهما؟ وهل يمكن أن يتعارض دورهما؟ تخيل نفسك في مهمة مزدوجة: تغطية صحفية حية، ونقد سينمائي كعضو في لجنة التحكيم. جلسات نقاشية طويلة ، واختيارات صعبة لأتخاذ قرارات ليست بالسهلة، حتى لو اتفق الجميع على فيلم واحد في النهاية. هذه ليست مجرد سيناريوهات افتراضية، بل هي واقع عاشه أحمد شوقي، مدون "رؤية"، خلال الدورة 75 من مهرجان بريناله كصحفي وكرئيس لجنة تحكيم الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسي).

عدت أخيرًا إلى القاهرة بعد أن حضرتُ الدورة الحادية عشر من برليناله، وهي الرحلة الممتدة التي بدأت عام 2014 منذ أن شاركت للمرة الأولى فى المهرجان كصحفى قبل انضمامي كمدون لمجلة "رؤية"، لكنها أيضًا نسخة خاصة جدًا في علاقتي بالمهرجان: المرة الأولى التي انتقل فيها من فئة الصحافة إلى لجان التحكيم، والسبب هو اختياري لرئاسة لجنة تحكيم الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسي) لهذا العام.

حسنًا، قد يتضمن الأمر بعض المبالغة. صحيح أني حملت بطاقة المحكمين البرتقالية بدلًا من بطاقة الصحافة الحمراء المعتادة، لكن هذه البطاقة نفسها تلخص مفارقة لجنة النقاد. فهي لجنة تحكيم، لكنها لجنة تحكيم مكوّنة من صحفيين، يتم اختيارهم وفقًا لمسيرتهم المهنية بترشيح من جمعيات النقاد الوطنية، مع النظر إلى وسيلة الإعلام التي يعملون لديها، ولا يُطلب منهم -كما هو معتاد في لجان التحكيم- الامتناع عن التعليق على الأفلام التي يشاهدونها، فهو من صميم عملهم كنقاد، وبالتالي فقد نشرنا في "رؤية" مراجعة لفيلم "يونان"، أحد الأفلام المتنافسة في المسابقة الدولية التي قمت بتحكيمها.

بطاقة المحكمين البرتقالية نفسها كانت موضوعًا لنقاش مع المهرجان قبل عامين، عندما ثبّت برليناله نظام حجز التذاكر الإلكتروني وحدد الصلاحيات الممنوحة لكل بطاقة، فوجد أعضاء لجنة تحكيم (فيبريسي) أنفسهم عاجزين عن حجز تذاكر العروض الصحفية وممنوعين من دخول المركز الصحفي للمهرجان. السبب كان حملهم لبطاقة المُحكمين، الذين لم يفترض من صمم نظام الحجز أنهم مهتمين بحضور العروض الصحفية، أو أن رئيس لجنة التحكيم الدولية تود هاينس سيقرر مثلًا أن يخرج من فندقه ليدخل المركز الصحفي ويستخدم إحدى طاولات الكتابة.
  بعد النقاش، تم حل الأمور بسرعة وكفاءة، ومن يومها صار أعضاء لجنة تحكيم الإتحاد الدولي للنقاد يحلمون بطاقة ذات طبيعة مزدوجة، برتقالية مُضاف إليها دائرة حمراء، تمنحهم صلاحيات المحكمين والصحفيين معًا، فيدخلون المركز الصحفي ويحجزون العروض المخصصة للإعلام. وضع يبدو نظريًا مميزًا، لكنه في الواقع يؤكد حقيقة أن على أعضاء اللجنة أن يمارسوا مهنتين في وقت واحد: يغطون المهرجان بنشاط كأي صحفي، ويشاهدون الأفلام ويناقشونها بتركيز كأي مُحكّم.

أكبر لجنة سنوية


ينظم الاتحاد الدولي للنقاد ما يصل إلى 80 لجنة تحكيم كل عام، تضم أغلب مهرجانات العالم الكبرى: كان وفينيسا وتورنتو ولوكارنو وكارلوفي فاري وغيرها، لكن تظل لجنة تحكيم برليناله هي الأكبر على الإطلاق كل عام، فهي اللجنة الوحيدة التي تتشكل من 12 عضوًا. السبب هو الرغبة في تغطية أكبر قدر ممكن من أفلام المهرجان الذي يمتاز بأقسامه العديدة، وبالعدد الضخم للأفلام التي يستضيف برليناله عرضها العالمي الأول كل عام.

يندرِج تحت لجنة تحكيم (فيبريسي) أربعة لجان فرعية: ثلاثة نقاد يشاهدون أفلام "المسابقة الدولية"، ومثلهم لمسابقة "البانوراما"، وآخرين "للفورم"، بالإضافة لثلاثة آخرين لأفلام مسابقة "وجهات نظر المستحدثة"، والتي حلّت محل مسابقة "لقاءات" التي كانت اللجنة الفرعية الرابعة خلال السنوات الماضية.

بحكم رئاستي للجنة، كنت في تحكيم "المسابقة الدولية" بصحبة ناقدتين زميلتين: مايا كوربيكا من بولندا، وبيانكا جاسمينا راوخ، وهي نمساوية تُمثل جمعية النقاد الألمان، انضمت للجنة قبل ساعات من الافتتاح بديلًا لزميلة من تشيلي اضطرت للاعتذار في اللحظات الأخيرة بسبب وعكة صحية. لجنة تحكيم مسابقة "وجهات نظر" ضمت ثلاثة نقاد من إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، وضمت لجنة تحكيم مسابقة "البانوراما" نقادًا من فرنسا وبنغلاديش والبرازيل، بينما ضمت لجنة تحكيم مسابقة "الفورم" ثلاثة نقاد من هونج كونج وبيرو والمملكة المتحدة.

أفلام عديدة وحجز مبكر


إدارة المهرجان طلبت من كل عضو في لجنة التحكيم أن يخطط جدوله وفقًا لمتطلبات عمله، وأن يزودهم بالجدول حتى يتم التأكد من حجز تذاكر للعروض المطلوبة، وهو ما وفر كثيرًا من المجهود خاصة وأن التذاكر الجديدة تُطرح كل يوم في تمام السابعة والنصف صباحًا، وعلى جميع المعتمدين في المهرجان الاستيقاظ قبل هذا الموعد والاستعداد للدخول سريعًا وحجز كل التذاكر المطلوبة قبل أن تنفد. يحدث ذلك كثيرًا مع الأفلام التي يرغب الجميع في مشاهدتها، وعندما يكون العرض في قاعة تضم عدد مقاعد قليل نسبيًا بما يُمكن ملأه سريعًا.

لكنها كما قلنا لجنة من الصحفيين، وبالتالي ظل علينا أن نستيقظ مبكرًا، ونخوض نفس مغامرة حجز التذاكر، إذا ما أردنا مشاهدة أفلام خارج نطاق المسابقة التي يقوم كل عضو بتحكيمها، أي كلما قرر أى عضو أن يترك صفته كمحكم ويمارس مهنته كناقد وصحفي.

"لمن نمنح جائزة الفيلم الأفضل؟"


كان على لجنة تحكيم "المسابقة الدولية" مشاهدة 19 فيلمًا طويلًا تم اختياره للمسابقة، منهم 18 فيلمًا روائيًا ووثائقيًا. كان إحدى هذه الأفلام عن تبعات الحرب الأوكرانية، جاء اختياره محيّرًا في ظل كونه عملًا عاديًا لا يمتلك أي قيمة فنية منفردة تكفل له هذه المكانة، لكنها ربما رغبة برليناله في تضمين أفلام وثائقية داخل "المسابقة الدولية" باستمرار، والتي أسفرت عن حدث فريد في تاريخ المهرجانات الكبرى، عندما حصل فيلمان وثائقيان على جائزة الدب الذهبي للمهرجان في عامين متتاليين: "في أدامانت" للفرنسي نيكولا فليبير في 2023، ثم "داهومي" لمواطنته ماتي ديوب في 2024.
  تقييم مستوى الفيلم مهمة سهلة ومُحيرة في آن واحد على لجان التحكيم، وهو قرار له دلالة بالنسبة للجنة "المسابقة الدولية" تحديدًا في ظل امتلاكها جوائز كثيرة (عكس النقاد الذين يمنحون جائزة واحدة)، ولكن تتعلق الحيرة بسؤال: لمن نمنح جائزة الفيلم الأفضل في المسابقة الدولية؟

جائزة بموافقة لجنتي التحكيم


أفلام عديدة جيدة عُرضت داخل المسابقة، ليس من بينها عملٌ مذهلٌ يُمكن الإجماع عليه والتأكيد على تميزه عن باقي المنافسين. وهو ما جعل المناقشة داخل اللجنة تقوم على استبعاد الأفلام التي لم يُعجب بها جميع الأعضاء، ليتم إبقاء سبعة أفلام صمدت للمناقشة بعد جلستين، ليكون من بينها الفيلم الحائز على جائزة (فيبريسي) في برليناله 75، ثم تتواصل التصفية حتى اتفق ثلاثتنا على منح الجائزة للفيلم النرويجي "أحلام (جنس حب)" للمخرج داج يوهان هاوجيرود.
  الفيلم جزء من ثلاثية فيلمية بدأها المخرج خلال العام الماضي، تحمل اجزائها عناوين "حياة" و"جنس" و"أحلام"، وتناقش في حكايات منفصلة قصصًا تتعلق بحياة البشر وعلاقاتهم في العالم المعاصر. أعضاء اللجنة الثلاثة لم يشاهدوا الجزئين الأول والثاني، لكننا وجدنا الثالث عملًا مكتملًا مستقلًا بذاته، يطرح أسئلة إنسانية مؤثرة عن الحب والانجذاب، وعن الموهبة، والقراءة، والحدود الفاصلة بين الواقع والخيال، لاسيما عندما يتعلق الأمر بموضوع شائك كوقوع تلميذة مراهقة في حب مُعلمتها.

الطريف أن ما حسم قرار اللجنة لصالح الفيلم، وبخلاف جودته الواضحة، هو مسيرة مخرجه، الذي كان مدير مكتبات وكاتب روائي يصنع أفلامًا لم تحقق نجاحًا دوليًا يُذكر، قبل أن تنطلق شهرته المحدودة مع هذه الثلاثية بعدما تجاوز الستين من عمره. لجنة التحكيم وجدت الجائزة فرصة لتسليط الضوء على موهبة تستحق الاحتفاء، حتى لو متأخرًا. اعتقدنا أن بساطة الفيلم قد تجعله يسقط من حسابات لجنة التحكيم الدولية فقررنا منحه "ثقة النقاد"، لكن لجنة تود هاينس فاجأتنا في المساء التالي بمنح الدب الذهبي، أكبر جوائز المهرجان، لنفس الفيلم.

يعد اختيار اللجنة الدولية واحدة من المرات المعدودة التي يتوافق فيها اختيار النقاد مع اللجنة الرئيسية، ربما لأن اللجنة ضمنت ناقدة عضوة في (فيبريسي) هي الأمريكية آمي نيكولسون، أو لأن فيلم "أحلام" مقارب لذائقة الأفلام الإنسانية المرتبطة بالمشاعر التي يُفضلها رئيس اللجنة تود هاينس، أو أي سبب آخر. لكن المهم إنه اتفاق يجعلنا نقول باطمئنان أن "أحلام" فيلم يرضي أغلب الأذواق، ويُكمل تجربة لجنة تحكيم برليناله 75 كواحدة من التجارب التي لا تُنسى في مسيرتي المهنية وعلاقتي الممتدة بالمهرجان.