ماذا يعني أن يُجبر الإنسان على مغادرة منزله، وحيه، ووطنه الذي نشأ فيه؟ تتعدد أسبابه، ويبقى النزوح تجربة أليمة يسردها المخرج المصري الشاب محمود إبراهيم والفرنسي أنطوان شابون لتسليط الضوء على النزوح. يُعرض فيلماهما ضمن برنامج "الفورم الممتد" ببريناله.
د يكون النزوح هو الموضوع الأكثر إلحاحًا في عالمنا المعاصر، ظهر ذلك بوضوح من خلال اختيار فيلمين عربيين قصيرين لعرضهما معًا ضمن برنامج "الفورم الممتد". وعلى الرغم من اختلافهما في العديد من العناصر، فإن العملين يتشاركان في جعل الهجرة الإجبارية محورًا رئيسيًا لكليهما.آخر يوم
بدون أي ميزانية، وفي مدينته كفر الدوار، وفي يوم تصوير واحد، تمكن المخرج المصري الشاب محمود إبراهيم من صناعة فيلم مؤثر، يُجسد في بساطته السردية وزمنه الذي يتجاوز الخمس دقائق قيمة البلاغة السردية، والقدرة على التعبير عن أعمق المعاني بأبسط الأدوات.شقيقان مُجبران -لأسباب غير مُعلنة لكن يمكن فهمها- على إخلاء بيتهما قبل أن يتم هدمه. وبينما يقوم الشقيقان بجمع أغراضهما استعدادًا للرحيل، تبدو عليهما ملامح التأثر الطبيعي لمن يُجبر على جمع ذكرياته وترك ماضيه وراءه ليصير حطامًا. في الوقت نفسه تعرض شاشة التلفزيون أنباء تهجير أهالي حي الشيخ جرّاح الفلسطيني في القدس الشرقية.
صنع المخرج الفيلم قبل أكتوبر 2023، لكن السردية والآلام تتكرر بحذافيرها، وأثر اضطرار سكان الحي لإجلائه، يتشابه مع إجبار أهالي قطاع غزة على النزوح، ومع انكسار الشقيقين زياد ومودي على أن يقضيا "آخر يوم" في بيتهما الحبيب. فطالما استمر الظلم في العالم، سيكون هناك من يُجبر على الرحيل رغمًا عن إرادته.
البساتين
إذا كان بطلا "آخر يوم" يهجران شقة، فشخصيات "البساتين" تركوا وطنًا كاملًا ورائهم. المخرج الفرنسي أنطوان شابون يتناول الشتات السوري من زاوية خاصة، هي ذكريات أهالي حي بساتين الرازي في العاصمة دمشق، والذي يصفه سكانه السابقين في الفيلم بأنه كان "خاصرة الشام"، حتى قرر سكانه المشاركة في الحراك الشعبي ضد نظام بشار الأسد، فدفعوا ثمن المشاركة غاليًا.الحي تمت إزالته، وسكانه اضطروا مثل ملايين غيرهم للهروب من البلاد، ورسم النظام الحاكم خطة لإعادة تأسيس الحي تحت اسم جديد، وتصميم يضم ناطحات سحاب! الخطة مجرد وهم لنظام أثبتت الأيام هشاشته، لكن أخبارها خلقت مفارقة داخل عقل من اضطروا لترك حيّهم تحت تهديد السلاح والاعتقال. مفارقة عاشت أكثر من عشر سنوات داخلهم، حتى قرر شابون أن يقدم معالجة سينمائية لها.
يستعيد سكان بساتين الرازي السابقين ذكرياتهم، ويعلقون صوتيًا على ما جرى في دمشق قبل الرحيل، وما يمكن أن يجري فيها لاحقًا، بينما يستعين المخرج بمصممين جرافيكس ليقوموا بإعادة تخيل الحي وفقًا لذاكره أصحابه، ورسم الصورة الجديدة لما يجب أن يكون عليه الحي في صورة جديدة بحق، يُمكن فيها للجدران أن تحمل شعاراتٍ تنادي بسقوط من دمّر الحيّ.
ويستمر الحال
عرض "آخر يوم" و"البساتين" معًا في برنامج واحد للأفلام القصيرة كان اختيارًا ذكيًا من مبرمجي "الفورم الممتد". وضع كل فيلم منهما في سياق أوسع، ومنحنا تنويعات مختلفة لنفس الفكرة المؤلمة: أننا وبينما يتباهى العالم بالحريات وحقوق الإنسان، لا يزال هناك في كل مكان من يُجبر على ترك بيته ووطنه وذكرياته ويرحل، فقط لأن هناك طرف متجبّر يرغب في ذلك.2025 فبراير