برليناله | مقابلة مع عريب زعيتر  2 د "الباركور هو طريقتهم الوحيدة للشعور بالحرية"

مشهد من الفيلم الوثائقي "يلا باركور"
مشهد من الفيلم الوثائقي "يلا باركور" © PK Gaza

تخيل أنك تحلق على ارتفاع عدة أمتار من سطح الأرض، ولا تشعر سوى بالنسمات وصوت الرياح. وفجأة تهبط لتجد ركامًا وآثار دمار وواقعًا مريرًا لا تزال تبعاته مستمرة حتى اليوم. ومع ذلك، فإن تلك اللحظات القليلة هي التي تعطي الأمل لشباب غزة في غد أفضل. هل هناك وصفة سحرية لعيش تلك اللحظات؟ السر يكمن في "يالا باركور".

هذا العام، تمثل المخرجة عريب زعيتر الحضور الفلسطيني في برليناله 75 من خلال فيلمها الوثائقي "يالا باركور" الذى يُعرض في مسابقة "بانوراما"، راصدًا رحلة أحد أعضاء فريق محلي من غزة يحترف رياضة "الباركور" أو القفز بين الأسطح المرتفعة. حاورت عريب حول الفيلم ومشاركتها في برليناله.

تبدأ أحداث الفيلم من 2015، كيف تعرفت على فريق "غزة باركور" وقتها؟

في 2014 ، شنت إسرائيل حربًا على غزة استمرت 50 يومًا. وحينها، كنتُ قد وضعت ابنتي قبل شهر واحد. كنت أتابع الأخبار وأسأل نفسي لماذا أحضرت طفل إلى العالم. لفت نظري وقتها مجموعة من الشباب يتعاملون مع الوضع بتحدٍ من خلال رياضة "الباركور" التي لم أكن أعرف عنها شيئًا. تواصلت معهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فرد عليّ أحمد الذي كان مسؤولًا عن صفحتهم. ظللنا على تواصل عدة أشهر حتى اختمرت فكرة الوثائقي في ذهني فطرحتها عليهم وبدأنا رحلة عمل استمرت قرابة عشر سنوات.

لفت نظري أن أحمد يعرف نفسه من البداية بأنه صانع أفلام قبل أن يكون رياضي، هل لفت ذلك نظرك من البداية باعتباره شريكًا محتملًا للرحلة؟

كان المدهش بالنسبة لي هو علاقته بالتصوير. أحمد كان مؤمنًا بأن التصوير هي التذكرة التي ستخرجه من غزة. شكّل هذا تحديًا بالنسبة للفيلم، فطريقة تصويره كانت تركز على إبراز الحركات الرياضية بما يعطيها طابع دعائي لا يناسب السرد. أرسل لي قرص صلب مليء بالفيديوهات التي تعرفت من خلالها أكثر على غزة، وأدركت أني بحاجة لمصوّر أكثر تمرسًا، لذلك انضم لنا إبراهيم العطلة الذي ساعدنا كثيرًا بدأبه واستيعابه لملاحظتي عن الهوية البصرية المرغوبة للفيلم.

ما هي اللحظة التي قررت عندها أن أحمد هو بطل فيلمك؟

بعد خروجه إلى السويد شعرت بأن لديّ شخصية واضحة لها مسار درامي مكتمل. سافرت له فورًا لأقابله وأبدأ تصوير حياته الجديدة. انشغلت فترة بمحاولاته للاندماج في المجتمع السويدي، ثم وجدتها لا تلائم موضوع الفيلم فقررت العودة والتركيز على فترة ممارسته الرياضة في غزة.

في الفيلم نعيد اكتشاف "الباركور" كرياضة ذات طبيعة خاصة، فهي مرتبطة بالجغرافيا والمعمار، وبفكرة تخطي الحواجز، وبالسقوط والإصابة ثم النهوض والبدء من جديد، وحتى باستخدام الركام كمساحة للإبداع، كما يفعل الشباب مع حطام مطار غزة. هل كان هذا التصور في ذهنك؟

هذا حقيقي تمامًا. انظر إلى تعاملهم مع المطار المقصوف والمركز التجاري المهدم. أفعالهم تقول إن هذه الأماكن صارت ركامًا لكنها ملكنا. عندما تراهم يسيرون فوق أسوار المطار ويقفزون بينها، تشعر بأنهم يقدمون بيانًا عمليًا بملكيتهم للمكان. طبيعة الرياضة تجعلهم يتعاملون مع الخطر بأريحية لا يملكها أغلب البشر. أريحية بممزوجة ببعض العدمية، فمن جانب هم يتحدون الوضع، ومن جانب آخر يعلمون داخلهم أنهم قد يموتون بقذيفة في أي لحظة، وبالتالي فإن "الباركور" هو طريقتهم الوحيدة للشعور بالحرية. عبد الله القصاب، أحد أعضاء الفريق، قال لي في حوار: عندما أقفز أشعر بالسعادة والحرية الكاملة، وعندما تنزل قدماي للأرض أعود وأتذكر الوضع العسير.
 
في مشاهد أحد بعد الهجرة للسويد نراه يمارس الرياضة بشكل آمن، لكن ثمّة شعور مفقود بالمتعة مقارنة بما كان يفعله في غزة. هل تتفقين مع ذلك؟

هذا هو الجانب الساحر في الموضوع، إنه مزيج بين المكان والفعل، لا يستقيم بطرف واحد دون الاثنين. صوّرنا مشاهد كثيرة لأحمد بعد الهجرة وممارسته الرياضة في السويد، بل وسعيه لتأسيس مدرسة "باركور" في غزة. لكنني شعرت بالملل من مشاهدة شاب يمارس الرياضة بشكل آمن في مكان مجهز لها. بينما ممارسة نفس الرياضة في مكان مليء بالركام والحواجز والممنوعات كغزة يمنحها معانٍ أعمق.

متى قررت أن تكون عريب شخصية في الفيلم، وأن نتابع ذكريات عائلتك عن الهجرة إلى الولايات المتحدة؟

جاءت الفكرة في مرحلة متأخرة جدًا، بعد اندلاع الحرب الأخيرة في غزة. كنت أتحدث في كلمتي ضمن ملفات طلب الدعم عن علاقتي بغزة ودوافعي لصناعة الفيلم، لكن بعد هذه الكارثة الإنسانية بدأت باستمرار استعيد ذكرياتي مع والدتي وعلاقتها الممتدة مع غزة. كيف كانت تتابع الأخبار وتتأثر بها بشكل مبالغ فيه. حضورها في ذهني جعلني أؤمن أن هذا الخط سيلعب دورًا مهمًا في الفيلم.

الخط يُكمل رحلة أحمد أيضًا، فقد انتقل بالفعل لدولة متقدمة آمنة، لكن شيئًا ما صار مفقودًا داخله، تمامًا كما هو الأمر مع عائلتك.

بالتأكيد ثمّة شيء مفقود. عندما انتقلت للولايات المتحدة أول مرة، كان لدي بعض الحماس لبدء حياة جديدة في مكان جميل. نفس الشيء صار مع أهلي الذين تشبه رحلتهم كثيرًا رحلة أحمد. أنا لم أعش أبدًا في الضفة الغربية، لكن أهلي عاشوا فيها واضطروا لتركها، وهذا الغياب ألمسه داخلهم دائمًا. نفس الشيء مع أحمد الذي عاش سبع سنوات حبيسًا في السويد انتظارًا للحصول على الجنسية، وبمجرد أن نالها زار غزة وكان ينوي أن تصير زيارته عادة سنوية كالصلاة، لكن ما جرى خلال آخر عامين منعه من تحقيق ذلك الحلم. الهجرة خلصتنا من القيود المفروضة علينا في بلدنا، لكن الأماكن الجديدة ليست بلدنا، وسيظل شعورنا تجاهها سيظل غريبًا مهما حدث.

هنا هناك ما تودين إضافته في نهاية الحديث؟

أود فقط لفت نظر من سيشاهد الفيلم إنها قد تكون آخر صورة نشاهدها لغزة قبل ما تعرضت له من هجوم وحشي ستصير بعده مكانًا مختلفًا كليًا. أدعوهم لمشاهدة مكان مليء بالممارسات غير الإنسانية. الأزمة في غزة لم تبدأ يوم 7 أكتوبر. أقل حق للإنسان أن يشعر بالراحة والأمان في بيته وبلده. أهل غزة يفتقدون هذا الشعور منذ أكثر من 75 سنة.

المزيد من برليناله