برليناله 2026  "وقائع زمن الحصار": بين السينما والسياسة في برليناله

نال "وقائع زمن الحصار" جائزة جائزة أحسن عمل أول في المهرجان.
(من اليسار) سفيان زرماني، والمخرج عبد الله الخطيب، والمنتج تقي الدين إسعد، وصلاح إسعد يقفون مع جائزتهم لأفضل فيلم روائي أول في مهرجان عن فيلم "وقائع زمن الحصار" في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026. © Dirk Michael Deckbar

شهدت الدورة السادسة والسبعون لمهرجان برلين السينمائي الدولي أمسية ختامية ذات طابع سياسي واضح، حيث تناول الفائزون بجوائز المهرجان مواقفهم من القضايا السياسية والإنسانية حول العالم، بما في ذلك تلك المتعلقة بإيران وتركيا وفلسطين وأوكرانيا وغيرها من الدول. وكان من بينهم عبد الله الخطيب، الذي فاز فيلمه "وقائع من الحصار" بجائزة أفضل فيلم روائي أول. وبهذا اختُتم الجدل الدائر حول دور السينما السياسية في مهرجان برلين السينمائي الدولي، وهو جدلٌ طغى على المهرجان منذ انطلاقته.

وعلى وجه الخصوص، أثار تصريح رئيس لجنة التحكيم ويم فيندرز،الذي يتعارض مع تاريخ برليناله الذي طالما وُصف بإنه المهرجان الأكثر معايشة للواقع السياسي  في العالم ردود فعل متباينة منذ بداية المهرجان. قال أغلب الفائزين كلمتهم: لا انفصال بين السينما والسياسة، حتى عندما يقرر الفنان ألا يكون سياسيًا. الأمر الذي تكرر في خطابات مخرجين عدّة، منهم اللبنانية ماري روز أسطا الفائزة بالدب الذهبي للأفلام القصيرة عن "يوما ما ولد"، التركي أمين ألبير الفائز بالدب الفضي عن "خلاص"، والكندية جنيفيف دولود دي كيلس، الفائزة بجائزة أحسن سيناريو عن "نينا روزا".

غير أن أكثر خطابات الأمسية ارتباطًا بالسياسة، وربما أكثرها جراءة  في رأي البعض، كانت كلمة عبد الله الخطيب، المخرج الفلسطيني المقيم في ألمانيا، والذي نال فيلمه "وقائع زمن الحصار" جائزة أحسن عمل أول في المهرجان.  انتقد الخطيب الحكومة الألمانية وموقفها من العنف الإسرائيلي في غزة، وتحدث عن آرائه حول فلسطين. أثارت كلماته الحماسية انقسامًا بين الحضور في قصر برلين السينمائي، حيث أشاد البعض بشجاعة الخطيب في انتقاد البلد الذي يعيش فيه كلاجئ سياسي، بينما رفض آخرون الخطاب ووصفوه بالعدائي المفرط.
عبد الله الخطيب خلال كلمته في حفل توزيع جوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026.

عبد الله الخطيب، مخرج فيلم "وقائع الحصار"، خلال كلمته في حفل توزيع جوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026. وقد فاز فيلمه بجائزة أفضل فيلم روائي طويل أول في المهرجان. | © Richard Hübner

كلمات عبد الخطيب ومحتوى حفل توزيع الجوائز بشكل عام سيكون بالتأكيد موضوعًا مشتعلًا في الإعلام  وصحافة السينما العالمية خلال الأيام التالية، لكن المهم هو تأكيده على أهمية برليناله كمساحة للاختلاف الذي لا يُشترط أن يتحلى دائمًا بالهدوء، ولتعبير كل فنان على موقفه ورؤيته للعالم دون رقابة أو قيود.

وبالحديث عن عبد الله الخطيب، أود الآن أن أناقش باستفاضة الفيلم الروائي "وقائع زمن الحصار"، الذي حصل على جائزة أفضل فيلم روائي أول في مهرجان برلين السينمائي الدولي لهذا العام، وما الذي يجعله مميزًا.

مفارقة تجهيل المكان والزمان

المدهش في "وقائع زمن الحصار" هو إنه رغم كلمات صانعه القاطعة، إلا أن الفيلم نفسه لا يُسمي المكان الذي تدور فيه الأحداث، ويتعمد عدم تحديد طبيعة الحصار ومصدره، بل يترك الأمر لتفسير الجمهور، من ناحية لأن الجميع يفهم ضمنًا أن المقصود هو قطاع غزة مع تحرر درامي من التفاصيل الدقيقة للواقع، ومن ناحية أخرى للتعبير عن وحدة الألم الإنساني تحت الحصار، لا يهم متى وأين ومن هم أطراف الصراع، فمتى حُوصرت مجموعة من البشر في مكان مغلق وحرموا من حياتهم الطبيعية، لا بد من أن ينتج عن هذا المزيج بين الألم والجنون واليأس، ومطاردة الأمل في لذّة قد تكون الأخيرة.

أنطولوجيا من خمسة فصول، يروي كل منها موقفًا إنسانيًا يقع تحت الحصار. تتباين الفصول في نوعها ونبرتها، تبدأ بدراما نفسية عن الانهيار، ثم مسائلة لمفهوم التراث وأهميته عندما يبدو الحاضر والمستقبل مجرد وهم، ثم استكشاف لمفهوم اللذة والاستمتاع بما قد يكون آخر متعة في حياة صاحبها، عبر حكايتين إحداهما بالغة القسوة والثانية تنحو إلى الكوميديا التي تنفجر من تباين الموقف (شاب وفتاة يرغبان في ممارسة الجنس) مع الوضع الكارثي الذي يحيط بهما، وصولًا إلى الفصل الختامي الذي تجتمع فيه مصائر الشخصيات في موقف مشتعل داخل مستشفى ميداني يجاهد العاملون فيه لتقديم الحد الأدنى من الخدمات الطبية لما يتردد عليهم من حالات.

فلم الساعة

كأي فيلم أنطولوجي مكوّن من عدة حكايات، يعقد الجمهور تلقائيًا المقارنات بين فصول "وقائع زمن الحصار"، وينحاز لبعضها على حساب الآخر. مثلًا، أجد خيار البدء بخط الدراما النفسية عن تحوّل صانع أفلام لما يشبه المجذوب قرارًا يُصَعّب الولوج إلى جوّ الفيلم العام، خاصةً مع اختلاف إيقاع ونبرة الخط عن باقي الفصول، بينما يبدو الفصلين الرابع والخامس الأفضل على الإطلاق. الرابع بخفة ظلّه وإمساكه بحقيقة تعايش البشر مع أسوأ الظروف وقدرتهم على مطاردة المتعة في أي وقت، والخامس بإيقاعه المشدود وتعبيره الدرامي عن كيفية اتخاذ القرارات الحاسمة تحت الضغط. وهو ما يجعل العمل يحقق أفضل ما يمكن أن يسعى له فيلم: أن تكون فصوله الأخيرة هي أقوى ما فيه.

كل شيء في "وقائع زمن الحصار" يتحرك من مفارقة مثيرة للتأمل: جميع الشخصيات تعيش وضعًا كارثيًا تكاد كل لحظة فيه تكون الأخيرة، لكنهم لا يتخلون وسط هذا عمّا يربطهم بإنسانيتهم، كالتفكير في قيمة الذاكرة، الرغبة في الاستمتاع، والأمل في أن يكون مستقبل الأطفال أفضل من حاضر آبائهم. كأنها معركة يخوضها كل منهم للبقاء، رافضًا الاعتراف بعدميتها أو اعتبارها محسومة سلفًا، لأن انتصار أي حصار يكمن في قدرته على إقناع الضحايا بانعدام الأفق، بأن حياتهم ستنتهي هنا والآن.

يرفض فيلم عبد الله الخطيب الاستسلام لتلك الفكرة، فيأتي عملًا ملائمًا تمامًا للحظة، قد يكون قد استفاد من الضجة التي أثيرت حول المهرجان أو أثارها برليناله حول نفسه. فيلم قد لا يكون مكتمل الجودة، بتفاوت فصوله ووضوح إنجازه بميزانية كان من الممكن أن تكون أكبر، لكنه لا يفتقر إلى الصدق والآنية، حتى لو لم يُسم مخرجه موقع الحصار في فيلمه.