برلينالة | مقابلة  "من قتل أليكس عودة؟" يتحدى ازدواجية المعايير في السياسة الأمريكية

صورة عائلية قديمة. الأب، مرتدياً بدلة سوداء، يبتسم وهو يحمل ابنته الصغيرة بين ذراعيه. الأم، مرتديةً فستاناً طويلاً بلون خمري مزيناً بزهور بيضاء على الجانب الأيمن من صدرها، تبتسم هي الأخرى.
أليكس عودة مع زوجته وابنته © بإذن من عائلة عودة

في 1985، اغتيل الشاعر والناشط الأمريكي الفلسطيني الأصل إسكندر عودة بانفجار قنبلة في مكتبه، وحتى اليوم لم تتم إدانة أي شخص بارتكاب التفجير. "من قتل أليكس عودة؟" وثائقي من إخراج ويليام لافي وجيسون أوسدير يعيد فتح القضية مجددًا. الفيلم عُرض بنجاح في مهرجان صندانس السينمائي خلال يناير، قبل أن يستضيف برليناله عرضه الدولي الأول ضمن برنامج عروض الجالا الخاصة. التقيت مع المخرجين لمناقشة فيلمهما وأهميته في اللحظة الراهنة.
 

متى وكيف بدأتما رحلة "من قتل أليكس عودة"؟

ويليام يومانس: نشأت في المجتمع العربي الأمريكي في ديربورن ميتشيغان، ومنظمة "اللجنة العربية ضد التمييز" التي كان أليكس عودة جزءًا منها بدأت النشاط خلال طفولتي، كانوا يطرقون الأبواب لضم الأعضاء فانضممت لهم. وعندما اغُتيل عودة كان ذلك حدثًا مؤثرًا في مجتمعي، وكأنه تحذير لما يمكن أن يحدث لمن يتجرأ ويتحدث بانفتاح عن قضية فلسطين. كبرت وظل الهاجس في ذهني، حتى اليوم الذي شاهدت فيه فيلم جيسون "دع النار تحرق"، الذي ذكرني فورًا بحكاية عودة بسبب الملامح المشتركة بين القضيتين اللتين وقعتا في العام نفسه 1985. خلال المناقشة سأل أحد الجمهور جيسون عن فيلمه التالي، فرد بأنه يبحث عن مشروع جديد إذا كان لدى أحد ما يقترحه، فما كان مني إلا أن ذهبت وعرضت عليه الفكرة، ليقول لي لن أصنع الفيلم إلا لو شاركتني إخراجه.

جيسون أوسدير: وجدت المشتركات بين الحكاية وفيلمي. كلاهما حادث عنف محلي تحت أعين الشرطة. "دع النار تحرق" كان عن تفجير مقر جماعة انفصالية في فيلادلفيا. لأني نشأت هناك كانت القصة جزءًا من طفولتي، لكني لاحظت أن الآخرين حتى من الأمريكيين لا يعرفون عنها شيئًا، تمامًا كما يصعب أن تعرف عن أليكس عودة مالم تكن من عرب أمريكا أو تكون ضمن مجتمع الناشطين. كنت وويليام أمريكيين نعمل في نفس الجامعة لكننا لا نتشارك نفس القصص التي كانت تروى لنا في الطفولة حول مائدة الطعام، وجدنا ذلك نقطة انطلاق مثالية للفيلم: أن نحاول ملء الفراغ بين نشأتينا. وهكذا بدأت الرحلة منذ أكثر من عشر سنوات.

جيسون مخرج منذ البداية، لكن هل كان الإخراج ضمن خطط ويليام قبل الفيلم؟

و.ي: إطلاقًا، الحقيقة كنت أرغب في أن أعطيه الفكرة ليصنع الفيلم بينما أواصل حياتي المهنية كأستاذ جامعي مساعد في وظيفة جديدة يسعى للترقي فيها عبر نشر الدراسات والكتب. الآن أعمل على كتاب حول السياق الإعلامي والسياسي المحيط بالأمريكيين ذوي الأصول الافريقية خلال ثمانينيات القرن العشرين، وبالتالي يمكن القول أن الفيلم ساهم بشكل ما في عملي الأكاديمي. جيسون كان ذكيًا ليدرك أن علاقتي أقوى بمجتمع العرب الذي عاش فيه أليكس عودة، لذلك دخلنا رحلة الفيلم بشراكة أشبه بكونه المخرج بينما أنا الخبير في موضوع الدراسة. كانت شراكة ممتازة تعلمت فيها الكثير من جيسون ومن العمل مع مدير التصوير والمونتيرين. أعتقد أنني سأصنع فيلمًا آخر فيما بعد.

ج.أ: لم يكن الأمر مجرد ضرورة أخلاقية للعمل مع شخص ينتمي للمجتمع العربي، وإنما كانت ضرورة عملية كذلك. هناك فيلم اتذكره دائمًا عنوانه "مدينتان في جاسبر" عن جريمة قتل عنصرية، تم تصويره باستخدام فريقي عمل كاملين: فريق أسود صوّر في أحياء السود وفريق أبيض في أحياء البيض، لأنها كانت الطريقة الوحيدة لكسب ثقة الأشخاص والتصوير معهم في بيئة آمنة. إذا ذهبت لحدث يتعلق بالقضية الفلسطينية في أي مكان في الولايات المتحدة وذكرت اسم ويليام سيعرفه الجميع، وذلك أفاد الفيلم كثيرًا. في الوقت نفسه كان عليّ أن استخدم جذوري اليهودية خلال بعض الاتصالات للتصوير في إسرائيل أو للوصول لأحد أعضاء رابطة الدفاع اليهودي. وكلنا نعرف أن هناك أماكن في إسرائيل، بل وبعض المقابلات في الولايات المتحدة، يصعب على ويليام الوصول لها بشكل آمن، لذلك كان من الجيد أن امتلكنا الجانبين خلال التصوير.

يقودنا هذا للدور الذي يلعبه الصحفي الإسرائيلي دافيد شين الذي يشارك في الفيلم كمحقق ومحاور، متى انضم لكما؟

ج.أ: في 2019 تقريبًا، كنا نعمل منذ وقت طويل دون أن نشعر بأننا قد عثرنا على المحرك الصحيح للفيلم. كنا ماهرين في البحث العميق في الوثائق ومقاطع الفيديو الأرشيفية، لكننا لم نرغب في أن نكون المحققين أمام الكاميرا، ربما لأننا لا نملك تلك القدرة. قام الصحفي روبرت فريدمان ببعض العمل على القضية لكنه توفي، تواصلنا مع أرملته الصحفية كرستين دوغاس التي أعطتنا أوراق زوجها الراحل ثم أوصلتنا بشين الذي كان قد قام ببعض العمل هو الآخر على قضية أليكس عودة، تحدثنا حول ما وصل إليه كل منّا، ووجدنا أن دافيد شين يتمتع بالقدرات النفسية الملائمة للمهمة، شغفنا بمتابعته حتى صار تدريجيًا المحرك الدافع للمشروع.

لكن هل كان لديكم وقتها فكرة متابعة التحقيق والسفر إلى إسرائيل بحثًا عن المشتبه فيهم؟

ج.أ: نعم، كانت الفكرة في عقولنا. في البداية كنا نعتقد أننا سنعتمد فقط على الأرشيف مثل فيلمي السابق، لكن سرعان ما أدركنا أن هؤلاء البشر ليسوا فقط على قيد الحياة، لكنهم نشطون ومنخرطين في الحياة السياسية الإسرائيلية.

و.ي: أردنا متابعة التحقيق لكننا لم نعرف كيف. كنا لا نزال نحاول كسب ثقة عائلة عودة، حتى 2019 لم نكن قد بلغنا أفضل ما يمكن الحصول عليه منهم، حدث تغيير في قيادة اللجنة العربية ضد التمييز وكانوا يتحدثون باستمرار عن حملة للمطالبة بالعدالة ضد القتلة. عقدنا العزم على متابعة تلك الحملة لكنها لم تتم أبدًا بالشكل المتوقع. كانت شخصيتنا الرئيسية في البداية ناشط من عرب أمريكا لكنه قرر ترك المنظمة لاحقًا فخرج من حساباتنا. قمنا أيضًا خلال جائحة كورونا ببحث أرشيفي ضخم وصلنا فيه لتسجيلات من لوس أنجلوس ولفيديو مدته ستة دقائق لأليكس عودة. كنا نسير في اتجاهات عدّة وجاء شين ليضيف جانب التحقيق الاستقصائي لها.

من الأفكار المركزية في الفيلم التناقض بين كيفية تعامل الحكومة الأمريكية مع الحوادث الإرهابية وفقًا لهوية القاتل والضحية، كيف ترون ذلك؟

و.ي: بالنسبة لي هناك معايير مزدوجة واضحة في السياسة الخارجية الأمريكية سببها الشراكة الكاملة بين الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية. الأمر الذي يجعل الجانب الإسرائيلي محميًا من أن يوصم بالإرهابي عندما يرتكب أفعالًا إرهابية، ويجعل الولايات المتحدة تتحمل أفعالًا متطرفة من إسرائيل لا تتحملها من أي حكومة أخرى. لذلك صنعت هذا الفيلم كمواطن أمريكي بالأساس، دفاعًا عن القيم المؤسسة للولايات المتحدة، لدور القانون وعدالة المحاكمة والديمقراطية وكل ما يمكن أن نعتبره قيمنا. اغتيال عودة كان حادثًا مزعجًا لمجتمع عرب أمريكا لأنه وضح قدر انعدام أهمية المواطن ذي الأصول العربية، وكأن مواطنته منقوصة لا تتمتع بنفس الحماية القانونية. أؤكد أن السياسة الخارجية هي سبب كل ذلك، هي سبب من يتم ترحيلهم بسبب المشاركة في مظاهرة، وطلبة الجامعات الذي يتم إسكاتهم إذا ما تحدثوا عن الإبادة الجماعية. لم يوضع الدستور والتعديل الأول من أجل ذلك. هناك أزمة كبيرة في المؤسسات الأمريكية سببها انحياز السياسة الخارجية.

ج.أ: ثمّة كتاب عن قضية اختطاف سفينة أكيلي لاورو من تأليف مايكل بون، الذي كان مسؤولًا حكوميًا في حقبة الرئيس ريغان، كان في غرفة اتخاذ القرار وقت قضية لاورو. نظرية الكتاب هي أن رد فعل الولايات المتحدة على الحوادث الإرهابية لا تتعلق بحجم الحادث أو بتحقيق العدالة، وإنما بامتداداته السياسية، وهل يقوم الحادث على حسابات سياسية أم لا. يمكننا أن نربط بين الأمرين بوضوح. أمر آخر يتعلق بممارسات حركة الكاهانا اليهودية في الولايات المتحدة وإسرائيل. بالتأكيد كان هناك خلال السبعينيات والثمانينيات إسرائيليون متطرفين يشعرون داخلهم أن عليهم "طرد وقتل الجميع لحكم البلاد بالكامل"، أضع الكلام بين أقواس. لكن وقتذاك كان عليهم إبقاء رأي كهذا داخلهم لأنه من غير المسموح داخل السياسة الإسرائيلية التعبير عن مثل هذه الأفكار. اليوم، صار وجود أفكار كهذه أمر معتاد لا يشعر أحد حياله بالغرابة. أجد هنا درسًا قويًا وثيق الارتباط بالوضع اليوم في إسرائيل، بل وفي الولايات المتحدة للأسف.

كيف تأثر مسار الفيلم بأحداث 7 أكتوبر وما تلاها من الهجوم الإسرائيلي على غزة؟

و.ي: الطريف أن يوم 6 أكتوبر كان اليوم الذي عرضنا أول نسخة كاملة من الفيلم على عائلة أليكس عودة. كنا نظن أننا أنهينا الفيلم وكان من المؤثر عرض الفيلم عليهم في موعد يقترب من ذكرى اغتياله. جاء رد فعلهم داعمًا للفيلم رغم صعوبة مشاهدته عليهم. بدأنا في التفكير في خطة عرض الفيلم في المهرجانات التي كنا قد تقدمنا لبعضها بالفعل، لكن في الصباح التالي شاهدنا هجمات 7 أكتوبر وعرفنا ما سيترتب عليها. كان علينا إعادة العمل على المونتاج، صورنا بعض المواد عن جهود الإغاثة لكننا وجدناها ثقيلة وتأخذ من الخط الدرامي الرئيسي للفيلم. قررنا عندها أننا لن نقوم بمنح سياق تاريخي في الوقت الذي يتوقع فيه البعض ذلك. مثلًا، تم تهجير أليكس عودة في حرب 1967، لكننا لا نشرح ما هي تلك الحرب، نذكر المعلومة ونتركها فحسب، لأننا عندما حاولنا أن نشرح كنا نغادر القصة. قررنا أحذ قرارات قاسية بترك الفراغات وتشجيع الجمهور على التوصيل بين النقاط لتكوين الصورة الكاملة.

ج.أ: أؤمن بشدة أن الفيلم الجيد هو الذي يحدد ما يريد قوله ويقوله بكفاءة، وأن كل شيء تضيفه أكثر من ذلك يُضعف من تماسك الفيلم. بالنسبة للإبادة الجماعية في غزة، لو كنا قد لامسناها ولم نعط الأمر حقه كان سيجعل هناك شيء خاطئ، لكننا وضعنا مشاهد تعبر عن رأينا، مثلًا عندما نتحدث عن إيتمار بن غفير ونراه يقوم بتسليم الأسلحة النارية، نراه يقوم بتسليح المستوطنين. لا نقول ما سيفعلونه بهذه الأسلحة لكن بإمكانك التخيّل. نحن نثق في وعي الجمهور وقدرته على التفسير.

أعتقد أنه قرار صحيح، لأن الجمهور بالفعل صار لديه ما يكفي من المعلومات ولا يحتاج لوضع كل حدث في سياقه التاريخي.

و.ي.: عندما عرضنا الفيلم في صندانس وتناقشنا مع الجمهور سألت جيسون: هل تغيّر فيلمنا كثيرًا أم أن العالم هو الذي تغيّر؟ ما رأينها أن الجمهور الأمريكي صار أكثر قدرة على التلقي وإعادة التفكير في افتراضاته السابقة بسبب ما جرى خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.