الإدماج بلا قيود   3 د "هربتُ من الحربٍ وأنا على كرسيٍّ متحرك": النجاة من الحرب في سوريا والحياة في النزوح

رسم توضيحي: تدفع شابة شابة أخرى على كرسي متحرك على طول ممر باتجاه عدة خيام بيضاء كبيرة. تُرى الخيام من الجانب والخلف. على يمين الممر ويساره مرج أخضر، وعلى اليمين شجرة. ©tuffix

يقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية  (OCHA) أن 17٪من السوريين هم من ذوي الإعاقة، معظمهم محروم من سبل العيش الكريم (وفق تقرير أولويات الاستجابة الإنسانية في الجمهورية العربية السورية الصادر عن OCHA في يناير/كانون الثاني 2025). ومع اندلاع النزاع في سوريا، كان الأشخاص ذوو الإعاقة من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر. في شهادة مؤثرة، تروي نُوجين مصطفى مسيرة حياتها ورحلتها على كرسي متحرك من موطنها سوريا إلى ألمانيا، حيث اتخذت تحديات العيش مع الإعاقة أشكالًا جديدة.
 

كيف كنت تقضي يومك عندما كنت في العاشرة من عمرك؟

ربما كان لديك منبّه مزعج يوقظك للذهاب إلى المدرسة. وسمعت محاضرة من والديك عن مكونات الإفطار الصحي، وكيف أنك نحيف وعليك تناول المزيد من الخضار لتصبح فتى/فتاة قوية البنية.

في المدرسة، ربما كنت ترى أن الدروس مملة، فكنت تمزح مع أصدقائك وتنتظر بفارغ الصبر انتهاء الدوام لتعود إلى البيت.

وعندما تعود إلى البيت، تجد الغداء بانتظارك، ولكن أيضاً الواجبات المدرسية. وما إن يبدأ الوقت الممتع، حتى يُطلب منك الذهاب إلى النوم لأنه "عليك الذهاب إلى المدرسة غدًا".

أنا لم يكن لدي أيٌّ من ذلك.لا منبّه، لا مدرسة، لا واجبات، ولا فرصة للخروج لتمضية الوقت.

هذا ما يحدث عادةً عندما تكون شخصًا ذا إعاقة وتعيش في شقة في الطابق الخامس في مبنى بلا مصعد.

كانت الرسالة واضحة جدًا: فتعليم الأشخاص ذوي الإعاقة أو ضمان جودة حياة جيدة لهم لم يكن يُنظر إليه على أنه أمر ضروري. وباختصار، إن أشخاصًا مثلي لم يحظوا بأية أهمية.

هكذا كانت الإعاقة بالنسبة لي في سوريا، وأعلم أن هذا كان حال الكثيرين غيري.

رسم توضيحي: فتاة تجلس على كرسي متحرك وتنظر بحنين من النافذة المفتوحة. ©tuffix

حياتي اليومية في سوريا


قد يدفعك هذا للتساؤل: ماذا كنت أفعل طوال اليوم؟

حسنًا، بما أننا عائلة عنيدة بطبعها، أصرّ إخوتي على أن أتعلم القراءة والكتابة باللغة العربية، بغضّ النظر عمّا إذا كنت سأجلس يومًا في صفٍّ دراسي أو لا.

وهكذا بدأت تمارين الكتابة والكثير من القراءة.

شخصيًا كنت أستمتع بالأخيرة أكثر بكثير من الأولى.
أثناء نشأتي، أصبح التلفاز والكتب مدرستي، والنافذة التي أطلّ منها على العالم الخارجي. ومن خلالهما تعلّمت اللغة الإنجليزية أيضًا.

لم تكن حياتي مثالية، لكنها كانت حياة أحببتها.

سلامٌ تحطّم

عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، انطلقت شرارة الثورة في بلدي. في البداية، كنا مفعمين بالأمل بأن التغيير قادم، وبأننا سنتحرر من الطغيان الذي حكم بلدنا لعقود.

لكن سرعان ما تحوّل الحلم إلى كابوس، إذ بدأت المدن تُقصف واحدة تلو الأخرى، جوًا وبرًا. وفي النهاية جاء الدور على حلب. حيث كانت المروحيات تحلّق فوقنا وتقصف الأحياء القريبة، زد على ذلك أصوات الانفجارات المعتادة التي كنا نسمعها من اتجاه الريف.

ولسرعان ما تعلّمت ألّا أذهب إلى الشرفة أو أنظر إلى الأعلى. كان أقصى ما أتمناه هو أن تبقى الكهرباء متوفرة، حتى أتمكن من رفع صوت التلفاز للتغطية على أصوات ما كان يحدث في الخارج.

حتىئذ، كانت إعاقتي أمرًا تمكنت من التعايش معه بنجاح كبير، كما نجحت في التكيّف مع ظروف غير اعتيادية وغير مواتية.

لكن هذه المرة، لم يكن بوسعي أن أفعل شيئًا. واجهت الحقيقة مباشرة: كوني على ما أنا عليه يعني أنني لا أستطيع الركض والاختباء أو العثور على مأوى بالسرعة نفسها التي يتمتع بها الآخرون.

كما لم يكن بالإمكان تركي وحدي، ما يعني أيضًا أن أفراد عائلتي كانوا معرضين لخطر كبير للإصابة، أو ما هو أسوأ من ذلك.

كنت من المحظوظين لأن لدي أخًا كان قادرًا على حملي والنزول بي عبر خمس طبقات من السلالم. كثيرون غيري لم يحظوا بمثل هذا الحظ.

تجلس فتاة على كرسي متحرك أمام كتاب كبير مفتوح يصور منظرًا طبيعيًا أخضر. تُرى من الجانب، ومن الخلف. وهي تبتسم. ©tuffix

الهروب

في البداية غدونا نازحين داخل بلدنا. ثم، ومع مرور الوقت، أدركنا حقيقة أنه إذا ما أردنا مستقبلاً، بعيدًا عن القنابل والدمار، فلا مناص لنا من مغادرة سوريا.

انطلقتُ أنا وأختي في رحلة امتدّت لمسافة 3500 ميل من سوريا، شملت عبور ثماني دول، إضافةً إلى رحلة خطِرة بالقارب من تركيا إلى اليونان.

قد يظنّ المرء أن الرحلة أصبحت أسهل بعد تلك المرحلة، لكن رغم اجتيازنا الخطر الأكبر على حياتنا، فإن بقية الطريق حملت في طياتها تحدياتها الخاصة.

كانت التضاريس الجغرافية في كثير من الأحيان وعرة جدًا وغير مناسبة للكراسي المتحركة. ونتيجةً لذلك، كنت أُدفع وأُسحب وأُحمل خلال مراحل مختلفة من الرحلة. وكان ذلك مرهقًا جسديًا ونفسيًا لجميع أفراد مجموعتنا، وخاصةً أختي.
لكن ذلك لم يثنِ عزيمتنا، وفي النهاية وصلنا إلى ألمانيا.

كان ذلك قبل عشر سنوات. واليوم، أستطيع أن أُعلن بفخر أنني أنهيت تعليمي الثانوي. وهدفي القادم هو الالتحاق بالجامعة. أصبحت حياتي الآن حياة خريجة حديثة عادية، تبحث عن فرص تدريب وتطمح إلى اكتساب خبرة عملية.

رسم توضيحي: تدفع شابة شابة أخرى على كرسي متحرك على طول ممر باتجاه عدة خيام بيضاء كبيرة. تُرى الخيام من الجانب والخلف. على يمين الممر ويساره مرج أخضر، وعلى اليمين شجرة. ©tuffix

ما يمكننا فعله على نحو أفضل

من الأمور التي بقيت راسخة في ذهني منذ تلك الفترة إدراكي أن مخيمات اللاجئين ومبادرات الاستجابة للأزمات ليست مهيأة ولا شاملة للأشخاص ذوي الإعاقة.

لم أتمكن من الإقامة في مخيم اللاجئين الرئيسي في اليونان لأن دورات المياه لم تكن متاحة، ولم أستطع استخدامها. واضطرت عائلتي وأنا إلى الانتقال إلى مخيم ثانوي يضم دورة مياه يمكنني استخدامها. وحتى ذلك لم يكن ممكنًا إلا لأنني كنت أملك جهاز مشي خاص بي، وليس لأن المكان كان ملائمًا للكراسي المتحركة أو للأشخاص ذوي الإعاقة، إطلاقًا، بل على العكس، فقد نُصبت خيمتنا في منطقة كانت أرضها مغطاة بالحصى، ما جعل دفع الكرسي المتحرك أمرًا بالغ الصعوبة.

إن عوز المتاح أمر صادم ومؤلم بشكل خاص، لأن اللاجئين غالبًا ما يفرّون من أوضاع الحرب والنزاع، وهي ظروف تزداد فيها احتمالية التعرّض لإعاقة — حيث يفقد الناس أطرافهم، أو سمعهم، أو بصرهم، أو القدرة على الحركة، وغيرها.
للأسف، هذه المشكلة ليست بجديدة. فالأشخاص ذوو الإعاقة غالبًا ما يُهمَّشون في أوقات السلم، فما الذي نتوقع أن يحدث لهم في أوقات الحرب؟

إذا أردنا تغيير هذا الواقع، فعلينا أن نتحرك، وذلك التحرك يبدأ في البيت.

ينبغي العمل على إزالة الوصمة المرتبطة بالإعاقة من خلال توفير المعلومات والدعم من المختصين. كما يمكن للحملات والمبادرات الهادفة إلى رفع الوعي المجتمعي أن تُسهم في تحويل النظرة الاجتماعية إلى الإعاقة، من كونها حكمًا بالإعدام، إلى وجود له حياة حقيقية ومستقبل. ويمكن — بل يجب — استيعاب التغييرات البسيطة.

وبالطبع، لا يمكن تحقيق هذا التغيير الإيجابي من دون دعم منهجي وفعّال من الحكومات وصنّاع القرار. لقد كانت عائلتي داعمة لي إلى حدّ كبير، لكن قدرتهم كانت محدودة في ظل غياب البنية التحتية والمؤسسات التي تهتم بمساعدتي على تحقيق كامل إمكاناتي.

وهنا تبرز الحاجة إلى بذل جهود حقيقية للاستماع إلى الأشخاص ذوي الإعاقة والتشاور معهم ومع منظماتهم التمثيلية، فهم الأقدر على تحديد الثغرات في مجالي الإتاحة والدمج ومعالجتها.

يجب على الحكومات وصنّاع القرار إقامة تواصل مستمر وروابط مباشرة مع الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظماتهم التمثيلية.

كما يجب أن يمنح الأشخاص ذوو الإعاقة مقعدًا على طاولة صنع القرار في كافة نواحي وضع السياسات الحكومية، والمبادرات، والخطط، وتنفيذها.

ومن خلال هذه الخطوات جميعها، آمل أن نساعد مجتمعاتنا على النظر إلى الإعاقة وإلى الأشخاص ذوي الإعاقة بطريقة مختلفة وأكثر إيجابية، وأن نمنحهم الفرص التي يحتاجونها ويستحقونها لكي يتألقوا.