يواجه مئات الآلاف من ذوي الإعاقة في اليمن قيوداً مجتمعية تحول دون تمكينهم وتزيد من تهميشهم وعزلتهم، من أبرزها نظرة المجتمع القائمة على الرحمة و الشفقة. هو وجع يوُلد مع الإعاقة وينمو معها ويرافق صاحبها طوال حياته، بدايته من الأسرة في البيت والمدرسة مروراً بالحي ومكان العمل، نظرة تقتل طموحه وتكبل إرادته وتحرمه من الحصول على حقوقه كغيره من أبناء مجتمعه.
في إحدى القرى النائية شمال اليمن، ولد طفل مختلف عمن سبقه من إخوته الثلاثة، يكمن اختلافه في حجم عينيه الكبيرتين وهذا جمال إضافي حسب اعتقاد الأسرة، لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن تلك العينين الجميلتين تخفيان وراءهما قصة أول كفيف في تلك المنطقة، وأن ذلك الإعجاب سيتحول إلى حزن وإشفاق.بدأت حكايتي مع الرحمة والشفقة من أول قصة روتها لي أمي عن طفولتي واكتشافهم لإعاقتي البصرية، تتحدث أمي ببساطتها المعهودة عن شعور الأسرة وتقول " حين عرفنا أنك ستعيش كفيفاً شعرنا بالحزن والرأفة لحالك وكان بعض أفراد الأسرة يتمنون لك الموت ويرونه أفضل من حياة لا تستطيع فيها أن ترى وجوه الناس ولا أن تتعلم وتشارك في فلاحة الأرض" ، كلمات وتساؤلات كلها إشفاق ورحمة ودعوات أن يعين الله هذه الأم على تحمل هذا الابتلاء. لست أنا فقط من يعاني من هذه النظرة، بل إن غيري الكثير من ذوي الإعاقة يكبرون مع دموع أمهاتهم ويعيشون مع صورة ذهنية نمطية صورتهم كعاجزون وكعالة ينتظرون المساعدة القائمة على الرعاية وابتغاء الأجر والثواب. تبدأ هذه النظرة من النموذج الرعائي الذي يرى الشخص ذو الإعاقة "مريضاً دائم الصلاحية" أو "مُبتلى" يستحق الشفقة، وتتغذى هذه النظرة من الموروث الديني المفسر خطأً من خلال التركيز على الأجر الأخروي لمساعدة "الضعفاء" دون الالتفات لمبادئ العدالة والتمكين التي دعا إليها الدين أيضاً. كما أنه في ظل الفقر المُدقع والأوضاع المعيشية المتردية في اليمن والتي ازدادت سوءاً بعد الحرب والصراع الذي يعصف بالبلد منذ أكثر من عشر سنوات، يُنظر للمعاق كعبء اقتصادي ثقيل ، فتتحول المعاملة معه إلى محاولة "لتخفيف العبء" بدلاً من الاستثمار في قدراته بعد تعليمه وتأهيله.هذا فضلاً عن جهل المجتمع بكيفية التعامل مع ذوي الإعاقة ونظرتهم إليهم من زاوية ضيقة تركز على الإعاقات وتهمل الطاقات والقدرات.
المجتمع اليمني بطبيعته مجتمع عاطفي جداً ويحمل نظرةً إنسانيةً كبيرة، لذلك فهو ينظر إلى ذوي الإعاقة بهذه النظرة، غير أنه بذلك يؤذي مشاعرهم ويصادر حقهم بالمشاركة والاندماج في المجتمع .
إضافةً إلى ذلك، عدم وجود برامج حقيقية للدمج وأخرى للتوعية الإعلامية القائمة على الطرح غير المشوه الذي يوصف بأنه سلبي ويعمق الدونية والتمييز نحو ذوي الإعاقة ويعمل على زيادة الفجوة مع أفراد المجتمع.
صور وأنواع الشفقة
تتخذ الشفقة في المجتمع اليمني صوراً وأشكالاً متعددة، ويمكن تقسيمها في عدة نقاط، فهناك الخوف غير المبرر
حيث يتم إقصاء الأشخاص ذوي الإعاقة من المشاركة في الأنشطة الاجتماعية المختلفة ويستبعدون أحياناً حتى في المناسبات خاصةً إذا كانت تستدعي الحركة والتنقل، ويبرر ذلك بالخوف علينا وبأنهم لا يريدون إجهادنا، وهم لا يدركون أنهم بذلك يزيدون عزلتنا. الأمر هنا يتعدى الخوف إلى الإقصاء والتهميش وعدم الثقة بذوي الإعاقة فهو وإن كان في ظاهره الخوف إلا أن باطنه الشفقة والرحمة.
يتعرض أيضاً الكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الحرمان من التعليم نتيجةً لعدم تهيئة الدولة لبيئة تعليمية تراعي احتياجاتهم وتتناسب مع قدراتهم، ومن يقرر التغلب على العقبة البيئية تواجهه عقبة الوعي إذ أن الكثير من المدارس ترفض استقبال ذوي الإعاقة خوفاً عليهم من تنمر الزملاء أو استغرابهم من جدوى أن تتعلم وأنت في هذا الحال، والبعض يفضل لك البقاء في البيت إشفاقاً عليك وعلى أسرتك، وستكون محظوظاً إذا وجدت مدرسةً تحترم رغبتك في التعليم وتمكنك من هذا الحق دون النظر إلى إعاقتك. لا يختلف الأمر كثيراً في ميدان العمل فحتى وإن تعلمت وتفوقت وصار من حقك الحصول على وظيفة تُمكنك من العيش الكريم إلا أنك ستواجه مجتمعاً لا يثق بقدراتك ويلغي حقك القانوني في الحصول على عمل وينظر إلى إعاقتك قبل كل شيء.
في اليمن يمكن أن تحصل على حقوقك بالاستجداء أكثر من القانون، ويمكن أن تعمل في وظيفة لا تتناسب مع خبراتك: بل قد يفضل مديرك أن تبقى في البيت فقط لأنك من ذوي الإعاقة. تتحدث مروى الحباري الناشطة في مجال حقوق ذوي الإعاقة عن هذه الجزئية وتقول: "تحت عنوان الحرص علينا ومراعاة مصلحتنا تصادر حقوقنا وحرياتنا، ونُمنع من الخروج والتنقل والحركة باستقلالية، وعلينا أن ننتظر أحد أفراد الأسرة ليرافقنا ويختار بدلاً عنا ويقرر ما نريد وما لا نريد.
مروة الحباري، ناشطة يمنية في مجال حقوق ذوي الإعاقة | ©خاص
تؤكد مروى الحباري أن المنظومة القانونية في اليمن تعزز هذه النظرة، وترى أن الشخص ذا الإعاقة فاقداً للأهلية لا يختلف عمن فقد العقل، لذلك يتم رفض التعامل معه إلا بواسطة وصي أو وكيل ينوب عنه في بعض التوقيعات والمعاملات، بل وينتهك حقه في خصوصية التعاملات المالية في الكثير من البنوك والمصارف التي تشترط حضور وكيل من أجل السماح له بتحريك أمواله.
منيرة مهدي، طبيبة نفسية | ©خاص
يرى علماء النفس أن النظرة بشفقة ورحمة تقتل الحافز والدافعية عند الفرد، وأن وراء كلمة "المسكين" شعور بالإحباط وعدم تقدير الذات. تتحدث الطبيبة النفسية -منيرة مهدي وتقول: "من أهم الآثار لهذه النظرة التي نسميها الشفقة غير الواعية، الاعتمادية: يتحول الشخص إلى كائن اتكالي ينتظر المساعدة والعون من الغير، مما يعيق دمجه في المجتمع وسوق العمل.
الأذى النفسي الخفي: يشعر الشخص بالدونية ويقل تقديره لذاته ويشعر بأنه أقل من غيره، مما يزيد من معدلات الانطواء والاكتئاب.
تؤكد مهدي أن الشخص يفضل العزلة والانسحاب وعدم المشاركة في المناسبات تجنباً لهذه النظرة، وهو بذلك يعبر عن السخط النفسي والكبت وعدم الرضى بوضعه ومقارنة نفسه بالآخرين .
إضافةً إلى ذلك فإن الفرد ذا الإعاقة يشعر بأنه شخص لا طائلة من وجوده وبأنه غير قادر على الإنتاج وغير مستحق للحب والاهتمام وتضيف " في الكثير من الحالات يجب التدخل من أجل إعادة تأهيل الفرد نفسياً وعلاجه وتشجيعه على الإنتاج والمشاركة حتى يرتفع تقديره لذاته ويتقبل إعاقته.
العدالة أجدى من الصدقة
صادقت اليمن على الاتفاقية الدولية لحماية وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في العام 2008 وقبلها أقرت قانون رعاية وتأهيل المعاقين رقم 61 لعام 1999 وقانون صندوق رعاية وتأهيل المعاقين لعام 2002، وهي مواثيق متينة تضمن حقوقاً أصيلةً لهذه الفئة، وبداية الحل في تطبيقها على أرض الواقع والتحول من النهج الرعائي إلى النهج الحقوقي.
التعامل مع الإعاقة على أنها اختلاف وتنوع طبيعي وليست خللاً في الفرد، وتهيئة البيئة المحيطة لتكون صديقةً لذوي الإعاقة لا معيقةً لهم. عمل برامج مدروسة للدمج تركز على الدمج التعليمي منذ الصغر لكسر حاجز الغرابة لدا الأقران ولتتحول الشفقة إلى تعامل قائم على التعاون والاحترام المتبادل بين الزملاء.
تركيز الإعلام على إظهار قصص النجاح الخاصة بذوي الإعاقة بدلاً من التباكي على حالهم وتنميط الصورة المأساوية الراسخة في أوساط المجتمع، وعدم طرح القوالب التمييزية التي تصورهم كأبطال خارقين أو مستحقين للرعاية والشفقة، وهذا يستدعي توعية القائم بالاتصال حتى يستطيع نقل الرسالة دون تشويه أو تنميط.
يضم اليمن أكثر من أربعة ملايين ونصف مليون شخص ذو إعاقة (حسب تقديرات قديمة لمنظمة الصحة العالمية ما يشير إلى نسبة 15% من السكان). هذا يحتم على الجميع "دولةً ومجتمع" تحمل المسؤولية تجاه تمكين وإشراك هذه الفئة، وليس البكاء على حالهم، بل إفساح الطريق لهم والإيمان بقدراتهم. الحلول تبدأ من القناعة بأن "العدالة أجدى من الصدقة"، وأن المجتمع القوي هو الذي يمكّن جميع أفراده بغض النظر عن لونهم أو إعاقتهم.
2026 أبريل