إدماج بلا قيود  3 د حواجز رقمية خفية: الأنظمة غير المتاحة تهدد استقلال ذوي الإعاقة

رسم توضيحي: رجل كفيف يقف في مساحة زرقاء فارغة، يرتدي قميصًا برتقاليًا وبنطالًا بنيًا، ممسكًا بعصا، ويتقدم نحو شاشة جهاز لوحي كبيرة. © tuffix

هل سبق لك وفكرت ذات يوم أن شخصًا غريبًا عنك تفاعلت معه على وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون كفيفًا؟ شخص غير قادر على رؤيتك في الحياة الواقعية؟ أو ربما أصمّ؟ اليوم أصبح كل ما نقوم به رقميًا، منذ اللحظة التي نستيقظ فيها صباحًا، نقرأ الأخبار، ونشارك تحديثات عن يومنا، ونسلط الضوء على لحظاتنا الراهنة، وكل شيء آخر تقريبًا. إلى حدّ أنه أصبح من المستحيل على الغالبية العظمى من الناس مغادرة منازلهم دون هواتفهم، لكن ماذا عن الأشخاص ذوي الإعاقة؟ تتناول وعد العازمي في هذا المقال الطرق التي توفر بها التكنولوجيا الجديدة خيارات أسهل لتلبية احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة.

لحسن الحظ، تعزّز التكنولوجيا حاليًا إمكانية الوصول، على عكس الوصم الاجتماعي المستمر الذي لا يزال يعرّف الأفراد بناءً على مظهرهم أو شكلهم.

تُعرَّف إمكانية الوصول أو الإتاحة، وفقًا للمادة التاسعة من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بأنها "التحديد الشامل للعوائق والحواجز وإزالتها في البيئة المادية، ووسائل النقل، والاتصالات، والخدمات العامة، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من العيش باستقلالية والمشاركة الكاملة في جميع جوانب الحياة على قدم المساواة مع الآخرين". وهذا يعني أنه ينبغي أن تكون الأدوات، والأنظمة الإلكترونية، والتطبيقات، بل وحتى التصميم التقني للأجهزة والمعدّات، متاحة للاستخدام من قبل الناس بكافة بمن فيهم المعاقين.
وإذ تُعرف بتصميم الأنظمة الإلكترونية، فإن هذه الأجهزة يفترض أن تكون شاملة وسهلة الاستخدام في آنٍ واحد. ولكن كيف يمكن لشخص ذي قدرة حركية محدودة أن يستخدم الهاتف المحمول شأنه شأن غيره؟ أو كيف يمكن لشخص كفيف أن يستخدم جهازًا لوحيًا بشاشة تعمل باللمس؟ كان هذا هو اللغز الذي حاول العاملون في مجال التكنولوجيا حلّه لعشر سنوات خلت. وجاءت الإجابة من خلال توفير طرق بديلة لاستخدام الأدوات أو الوصول إليها بشكل مستقل، بدلًا من إنشاء أجهزة خاصة لهؤلاء الأشخاص، الأمر الذي كان سيجعل عالم التكنولوجيا حكرًا على فئة معينة بناءً على قدرتهم

أدوات شاملة للجميع
 

اليوم، تأتي جميع الأجهزة بإعدادات يمكن لكل المستخدمين الاختيار منها أو تخصيصها. فعلى سبيل المثال، يمكن للشخص ذي القدرة الحركية المحدودة استخدام ميزة اللمسة المساعدة Assistive Touch من شركة آبل للتحكم بشكل أفضل بأجهزته مع سهولة توصيل الملحقات التكيفية. كما توفر الشركة ميزة تسهيلات اللمس Touch Accommodations، حيث يمكن للمستخدمين ذوي القدرة الحركية المحدودة تعديل الإعدادات الرئيسية لتغيير طريقة استجابة الشاشة لإيماءات معينة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمستخدمين ضعاف البصر استخدام خاصية التكبير لجعل حجم الشاشة أكبر وأسهل قراءة. أما المستخدمون المكفوفون تمامًا، فيمكنهم استخدام ميزة التعليق الصوتي Voiceover، وهي خاصية تحويل النص إلى كلام، بحيث يتم نطق كل ما يظهر على الشاشة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فالأشخاص الصم يمكنهم التفاعل بسهولة من خلال التواصل عبر الرسائل النصية والاستفادة من خاصية الاهتزاز التي توفرها الأجهزة.
رسم توضيحي لفتاة ذات شعر بني وسترة صفراء ترتدي سماعة أذن. تمسك بهاتف محمول وتشاهد مقطع فيديو على يوتيوب.

تتيح الترجمة المصاحبة، على سبيل المثال، للأشخاص الصم وضعاف السمع الحصول على إشارات صوتية يتم إعادة إنتاجها بشكل متزامن في شكل مكتوب أثناء مشاهدة مقاطع الفيديو. | © tuffix


وبينما تُعد هذه الأدوات البنية التحتية لإمكانية الوصول، توفر منصات التواصل الاجتماعي العديد من الميزات لضمان شمول الجميع في عالم تكاد تنحصر فيه عمليات التواصل عبر هذه المنصات. فعلى سبيل المثال، يمكن للأشخاص الصم مشاهدة مقاطع الفيديو بفضل التسميات التوضيحية المغلقة وخدمات تحويل الكلام إلى نص، مما يفتح الأبواب للجميع. ونظرًا لاستحالة تفاعل المكفوفين مع المحتوى المرئي، تتيح هذه المنصات خيار إضافة نص بديل (Alt Text) يمكن للمستخدمين كتابته لوصف المحتوى الذي يتم مشاركته.

المساس بالسرية
 

رغم أهمية هذه الإعدادات والأدوات لضمان شمول المستخدمين ذوي الإعاقة، فإن بناء الأنظمة دون مراعاة إمكانية إتاحتها لذوي الإعاقة يعرّض بيانات هؤلاء الأشخاص لخطر الانتهاك. فعلى سبيل المثال، عندما لا يراعي تطبيق مصرفي احتياجات المستخدمين الصم ويوفر خدمة العملاء عبر الهاتف فقط، يضطر العميل إلى الاعتماد على شخص آخر للاتصال بالبنك نيابةً عنه، وهذا الاعتماد يعني الكشف عن بياناته، بما في ذلك معلومات حسابه المصرفي ومعاملاته وغيرها. وفي حال الكشف عن معلومات شخص ذي إعاقة، يمكن اختراق حسابه المصرفي بسهولة.

ومن جهة أخرى، عندما لا تُصمَّم الأنظمة وفقًا لإرشادات إتاحة محتوى الويب (WCAG)، فإنها تستبعد تلقائيًا المستخدمين المكفوفين، من أمثالي، ممن يعتمدون على قارئات الشاشة للوصول إلى الخدمات على حد سواء، مما يجعل إمكانية الوصول ليست خيارًا محبذًا، بل مسألة أمن سيبراني. على سبيل المثال، إذا لم يراعِ تطبيق حكومي احتياجات مستخدمي قارئات الشاشة، سيضطر هؤلاء إلى طلب مساعدة الآخرين للوصول إلى حساباتهم وإنجاز المعاملات المهمة نيابةً عنهم. قد يبدو ذلك ممكنًا، ولكن ماذا لو أساء ذلك الشخص استغلال الموقف وقدم معلومات خاطئة للجهات الحكومية المعنية؟
 
امرأة ترتدي الحجاب وبلوزة زرقاء تتحدث عبر الهاتف. تقف بجوار رجل يرتدي سماعة أذن ويجلس على طاولة. توجد وثائق ملقاة على الطاولة أمامه.

لا تُعدّ إمكانية الوصول ميزةً إضافية، بل شرطٌ أساسيٌّ للأمن السيبراني. فعلى سبيل المثال، إذا لم تعمل خدمةٌ إلكترونيةٌ تابعةٌ لإحدى الوكالات الحكومية مع المكفوفين أو ضعاف البصر الذين يستخدمون قارئ الشاشة، فلا بدّ من إشراك شخصٍ موثوقٍ به، والذي سيتمكّن حينها من الوصول إلى حساب المستخدم المتضرر، وهو ما يُعرّضه للاختراق بسهولة. | © tuffix


أو ماذا لو غيّر معلومات الحساب لذلك المستخدم الكفيف، بما في ذلك بيانات الإقامة والحساب المصرفي؟ لقد حدث ذلك معي مؤخرًا عندما اضطررت للتقديم على بعض المعاملات عبر أحد التطبيقات الحكومية. حاجتي الملحّة لهذه الأوراق جعلتني أعتمد على العديد من الغرباء. لم يكن لدي خيار؛ فإما أن تتأخر معاملاتي المهمة، أو أطلب المساعدة من أشخاص لا أستطيع الوثوق بهم بالكامل. هنا يجدر التوقف وطرح السؤال: هل الخطأ خطأ الشخص لاستخدامه قارئ شاشة، أو أن المسؤولية تقع على عاتق المطورين لإنشاء حلول للجميع؟ كان الهدف من هذا التطبيق تسهيل الأمور، لكنه في الواقع يشكل تحديًا بالنسبة لي كشخص كفيف.

إضافة إلى ذلك، فإن الأنظمة التي تعتمد على تصديق صحة شيء ما مرهون بوقت محدد، حيث يجب إتمام التحقق خلال فترة قصيرة جدًا، تجعل الأمر أكثر صعوبة للمستخدمين الذين يعانون من مشكلات في التحكم الحركي أو إعاقات إدراكية، مما يجعل التكنولوجيا عائقًا بدلًا من أن تكون جسرًا.

أما فيما يتعلق بالإتاحة لذوي الإعاقة، وبالأخص في جانبها الرقمي، فهي تسترشد بإرشادات إتاحة محتوى الويب التي وضعتها رابطة الشبكة العالمية (W3C)، لوضع معايير واضحة يمكن استخدامها عالميًا لضمان الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة في كل مكان. وتركّز هذه الإرشادات على أربعة مبادئ لأي منتج، وهي: قابلية الإدراك، وقابلية التشغيل، وقابلية الفهم، والمتانة.

في هذا العالم الذي تكون فيه البنية التحتية مبنية في الأساس، يبقى السؤال الحقيقي متعلقًا بالعقلية والمنهجية: هل التكنولوجيا المصممة تلبي احتياجات الجميع؟ كيف يمكن للأدوات والمنصات المصممة أن تلحظ جميع المستخدمين، بغض النظر عن قدراتهم؟ في عالمنا الحالي، حيث يتم كل شيء عبر الإنترنت، يقع على عاتق المطورين والمصممين الاختيار بين خيارين: إما الشمولية والتصميم للجميع، أو الإقصاء، حيث يُستبعد الأشخاص ذوو الإعاقة بناءً على قدرات جسدية لم يكن لهم الخيار في انتقائها.
القضية اليوم ليست الإعاقة، بل العقلية. هل يرغب شخص غير ذي إعاقة في دخول غرفة يتحدث فيها الجميع لغة لا يفهمها، ويتأخر عن الركب لمجرد أنه لا يفهم تلك اللغة دون توفير ترجمة؟ هكذا بالضبط تعمل الأنظمة غير المتاحة لذوي الإعاقة. يجب ألا تكون إمكانية الوصول لذوي الإعاقة جزءًا ثانويًا أو مهمَلًا من تجربة المستخدم، بل يجب أن تكون اعتبارًا أساسيًا منذ البداية.