الإدماج بلا قيود  4 د تجديد مفهوم الإدماج في التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة

في المنتصف، مجموعة من كتب الأطفال. على اليسار رسم توضيحي مُصوّر لنسر مصري، وعلى اليمين رسم توضيحي لفيل.
تُشكّل شخصيات الحيوانات والكتب المختارة بعناية جزءًا هامًا من المفهوم التعليمي لـ "حضانة آمنة". © أمنية أحمد / كانفا

قالت مايا أنجيلو ذات مرة: "في التنوع جمال وقوة". نولد جميعًا مختلفين، فكل إنسان فريد من نوعه. ينبغي أن نُقدر اختلافاتنا منذ الطفولة من خلال الدمج، فالفصول الدراسية، والأماكن، والعقليات المتفتحة هي مفتاح الحفاظ على التنوع والاحتفاء به. وفي هذا الإطار، تتحدث أمنية أحمد عن نموذجين ملهمين من مصر يسمهوا في غرز الإدماج بين الأطفال.

يخرج العديد من الأطفال لقضاء يومهم في مراكز الرعاية النهارية أو ما يُعرف محليًا بالحضانات. تستقبل الحضانة النموذجية الأطفال من عمر صفر إلى أربع سنوات. في المتوسط، قد يقضي الطفل الذي يعمل والداه ما يصل إلى أربعين ساعة أسبوعيًا في الحضانة. وهذه مدة كبيرة من سنواته المبكرة والأكثر أهمية. وعادةً ما توفر الحضانات فصولًا لكل فئة عمرية.

يقضي الأطفال يومهم في اللعب والتعلّم وتطوير المهارات والغناء وتناول الطعام وأخذ قيلولة إلى أن يأتي آباؤهم لاصطحابهم. ومن خلال هذه الأنشطة، يُتوقع منهم اكتساب مهارات لغوية واجتماعية ومعرفية، وذلك من خلال تفاعلهم مع أقرانهم ومعلميهم، بالإضافة إلى دراسة منهج خاص بالطفولة المبكرة والحصول على وقت للعب. ومن بين العديد من الحضانات في القاهرة، هناك اثنتان تغيّران النهج المتبع في تعليم الطفولة المبكرة.

لماذا تُعد الطفولة المبكرة مهمة؟

وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة علم النفس التنموي، فإن انخفاض مستوى تعليم الطفولة المبكرة كان دائمًا مرتبطًا باضطرابات نفسية لاحقة. كما تُظهر دراسة أخرى صادرة عن كلية طب الصحة العامة في الكلية الملكية للأطباء في أيرلندا أن سنواتنا الأولى قد تحدد حتى جودة صحتنا النفسية والعصبية والجسدية عندما نصبح بالغين. فجميع مهاراتنا وطرق تفاعلنا الاجتماعي تُكتسب في الطفولة المبكرة، وإذا حدث خلل ما، فقد يعاني الطفل خلال مرحلة المراهقة والبلوغ.

لهذا السبب قررت طبيبتان نفسيتان ورائدتا أعمال مصريتان، وهما أيضًا ناشطتان في مجال الصحة النفسية، تغيير السرد وابتكار تجربة جديدة للطفولة المبكرة تفيد الأطفال والمجتمع معًا. وهما داليا سليمان، أخصائية علم النفس التربوي والرئيسة التنفيذية ومؤسسة الجمعية المصرية للتوحد ومؤسسة Impact Egypt ومركز Launch Vocational ومؤخرًا Autismania، وسارة عزيز، معالجة نفسية مرخصة والرئيسة التنفيذية ومؤسسة Safe Egypt ومؤخرًا Safe Nursery.

إزالة الغموض حول التوحد في مصر

في عام 1998، عادت داليا سليمان إلى مصر حاصلة على درجتي البكالوريوس والماجستير في علم النفس التربوي، ولاحظت نقص الوعي باضطراب التوحد في مصر، حيث لم يكن هناك تشخيص صحيح أو علاج أو دعم مناسب. عندها قررت تأسيس الجمعية المصرية للتوحد. تقول سليمان: "كان معظم الأطفال في ذلك الوقت يصلون إلينا بعد تشخيص خاطئ، وبالتالي يظلون غير ناطقين لسنوات طويلة. لم يكن أحد يعرف ما هو التوحد، وكان طلاب الطب يدرسون عنه ثلاث سطور فقط في كتاب."

بدأت بالتعاون مع الجامعات لتدريب وتوظيف الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين، ثم قدمت مفهوم الحضانة الدامجة، لتكتشف أنه غير قانوني في مصر، ما اضطرها للعمل مع الحكومة لتغيير القوانين، إذ لم تكن هناك تشريعات تنظم حقوق الأشخاص المصابين بالتوحد.

بعد تأسيس الجمعية، واصلت سليمان وفريقها العمل مع الجهات الحكومية لتحسين القوانين، وتنفيذ حملات توعية، وتقديم الدعم للأفراد المصابين بالتوحد وإرشاد أسرهم. وبعد سنوات من الجهود، أطلقت مراكز Impact وLaunch لتدريب الأفراد المصابين بالتوحد ودمجهم في سوق العمل، حيث تقدم هذه المراكز تدريبًا مهنيًا في مجالات متعددة مثل المجالات الإبداعية والضيافة وغيرها، وتساعدهم في الحصول على وظائف.
 

Autismania – تطبيق لتعزيز الدمج

بعد ثلاثين عامًا من العمل والدعوة إلى التنوع والدمج، رأت سليمان فرصة لتطبيق مفهوم الدمج في الحضانات. وكانت أحدث مبادراتها شركة Autismania، التي بدأت كتطبيق يتيح للأهل ومقدمي الرعاية الحصول على خدمات للأطفال المصابين بالتوحد، ومن بينها فصول الدمج.

تساعد Autismania الحضانات على إنشاء فصول تضم أطفالًا عاديين وأطفالًا مصابين بالتوحد، وتوفر لهم معلمين مدربين وأنشطة مناسبة. وقد نجحت بالفعل في إنشاء هذه الفصول في عدد من الحضانات في القاهرة.

لماذا يُعد الدمج مهمًا؟

ترى سليمان أن أهمية الفصول الدامجة في الطفولة المبكرة تكمن في تأثيرها الإيجابي على الأطفال جميعًا. فهي تعزز المهارات الاجتماعية والمعرفية لدى الأطفال، وتساعد الأطفال المصابين بالتوحد على الاندماج واكتساب مهارات اجتماعية مهمة. أما الأطفال الآخرون، فيتعلمون تقبل وفهم احتياجات أقرانهم، مما يعزز التعاطف ويقلل من التنمر. وتقول سليمان: "يجب أن يعرف الأطفال أننا نُولد مختلفين، وهذا ما يخلق فردًا متعاطفًا قادرًا على تقبل الآخرين ودعمهم."

ومن خلال نشر هذه الفصول، تهدف سليمان إلى ضمان حق الأطفال المصابين بالتوحد في الاندماج في المجتمع والاستعداد للمدارس الدامجة، مما يسهل العملية التعليمية على الأطفال وأسرهم.

خلق بيئة آمنة للأطفال

وفقًا لمراجعة بحثية شملت أكثر من 16 مليون شاب من 25 دولة ونُشرت في مجلة The Lancet Child & Adolescent Health، فإن الأطفال والمراهقين من ذوي الإعاقة أكثر عرضة بأكثر من الضعف للعنف، سواء كان إهمالًا أو عنفًا جسديًا أو جنسيًا أو عاطفيًا، مقارنة بغيرهم، مما يؤثر بشكل خطير وطويل الأمد على صحتهم ورفاههم. سارة عزيز هي مؤسسة والرئيسة التنفيذية لمنظمة Safe وحضانة Safe Nursery. قبل أكثر من 14 عامًا، كانت تعمل مع ضحايا الاعتداء الجنسي، وطرحت سؤالًا: ماذا لو ركزنا على الوقاية والتوعية منذ الطفولة بدلًا من الانتظار حتى وقوع الاعتداء؟ ومن هنا تأسست "Safe Organization"، التي تقدم جلسات توعية وورش عمل وعلاجًا نفسيًا وتدريبًا للوقاية من الاعتداء الجنسي على الأطفال، وتعمل مع جهات حكومية وشركات ومدارس ووسائل إعلام لنشر الوعي.

إلى جانب المنظمة، أنشأت عزيز Safe Nursery، وهي حضانة تعتمد على السرد القصصي والخيال لتعزيز تجربة الطفولة المبكرة.

تقول عزيز: "شعارنا هو بناء طفل متمكن بالمهارات. ما يميزنا أننا نقدم منهجًا مدمجًا يجمع بين المهارات والسرد الإبداعي." وتستخدم الحضانة نموذجًا يجمع بين المنهج الياباني القائم على المهارات، ومنهج Jolly Phonics، ومنهجها الخاص في السرد القصصي.

لكل فصل شخصية حيوانية خيالية باسم مبتكر فيما يُعرف بـ"مفهوم الكائنات"، حيث تُستخدم الحيوانات لتعليم القيم. فمثلًا "Fishoo" سمكة تعلم التعاون، و"Felfela" فيل يعلم الثقة، و"Rory" أسد يعلم القيادة، و"Nasry" نسر مصري. ولكل شخصية قصة وكتاب مصور يُقرأ للأطفال.

التعلم الاجتماعي العاطفي

تركز الحضانة على تنمية التعلم الاجتماعي العاطفي من خلال مساعدة الأطفال على فهم مشاعرهم والتعبير عنها، وذلك باستخدام لعبة SafeFeelings خلال وقت الحلقة. كما تستخدم تصميم الفصول التفاعلي والمجسمات ثلاثية الأبعاد لتنمية المهارات الحسية والحركية.

ولا يقتصر الأمر على القصص، بل يتلقى الأطفال ورش عمل للتوعية بكيفية حماية أنفسهم من التنمر والاعتداء بطريقة مناسبة لأعمارهم. كما توفر كتبًا مثل "أنا مميز" لتعزيز تقدير الذات، وأغانٍ تساعد الطفل على إدراك قيمته وبناء هويته.
كما تشمل الحضانة أولياء الأمور من خلال تقديم إرشادات وورش عمل وتوعية حول الطفولة المبكرة وسلامة الأطفال. وتخطط عزيز لإتاحة المواد التعليمية والكتب والألعاب للبيع قريبًا.

تُعد الطفولة المبكرة أهم مرحلة في حياتنا، حيث تُسهم كل تجربة وذكرى وفكرة في تشكيل شخصيتنا المستقبلية. وتُظهر هاتان التجربتان كيف يمكن للدمج والتنوع والسرد القصصي أن تكون أدوات فعالة لمعالجة مشكلات أكبر في المجتمع. ومن المؤمل أن تشهد مصر ومنطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا مزيدًا من هذه الأساليب التعليمية المبتكرة، إذ إن الحاجة إليها كبيرة.