أسبوع أفلام جوته - الأسكندرية ٢٠١٦ بين وعيّ الجمهور والوعيّ به

حار جاف صيفاً
®SubtypeProd

يأتي برنامج أسبوع أفلام جوته بالأسكندرية الذي أطلق منذ عدة سنوات في محاولة لطرح نوع متنوع من برامج العروض. يتطرق بشكل خاص إلى العلاقة بين السينما الألمانية والعربية. مقدماً مجموعة متنوعة تضم مختارات من السينما الكلاسيكية الألمانية وما هو معروض في قاعات العرض الألمانية حالياً، والأفلام الفنية المصرية التي سلطت الضوء على السينما المصرية في الآونة الأخيرة ومجموعة مشتركة من الأفلام المصرية والألمانية التي ترصد لحظات التحول السياسي والاجتماعي والثقافي في تاريخ البلدين، إضافة إلى النقاشات مع صناع الأفلام وخاصة المصرية منها بعد العروض في برنامج امتد لخمسة أيام بمعدل عرضين كل يوم.

ومن واقع سينمائي خاص جداً لمدينة الأسكندرية التي شهدت ثاني عرض سينما في العالم عام ١٨٩٦ يشارك أسبوع أفلام جوته في محاولة لإثراء النشاط السينمائي في المدينة المحرومة من وجود صناعة سينما قوية. حيث تضم الأسكندرية بعض شركات الإنتاج المستقلة الصغيرة وبعض نوادي السينما والعديد من السينمات التجارية الجماهيرية التي يستحيل على صناع الأفلام الشباب عرض أفلامهم بها لأسباب متعددة، وشاشة عرض تجارية فنية واحدة.
 
تحاول بعض المبادرات تأسيس صناعة أفلام للشباب ممن لديهم الطموح، ولكن هذه العوامل تشكل واقعاً ضعيفاً لا يستطيع أن يطرح نمطاً متواصلاً وواعياً لفكرة الصناعة المستدامة وصناعة السينما بمفهموها الأوسع. فيما أتاحت محاولات التحرر من قيود الأشكال الإنتاجية التقليدية فضاءً أوسع لصُناع الأفلام في التعبير بحرية أكبر عن أفكارهم ومعالجتهم السينمائية للواقع، لكنه وَسع الهوة بين المبدع والمتلقي من ناحية أخرى، فصُناع الأفلام في الأسكندرية لم يأبهوا بشباك التذاكر أو الإيرادات أو شركات التوزيع. بل كانت كل هذة المسميات مجرد رفاهية لا يمكن الوصول إليها، لأن صانع الأفلام لا يستطيع أن يعرض أفلامه في السينمات التجارية ويعي أنه من الصعب جداً استكمال الدورة الإقتصادية بهذه الآليات التي تستخدمها السينما الفنية في هذه المرحلة. فكان تحرر شكل الأفلام المنتجة من قواعد وضوابط الصناعة الحقيقية إلى تحرر من حسابات السينما التجارية ما وسع أفق الطروحات السينمائية لصناع هذا النوع من الأفلام لاستشراف واقع معاصر كأي سينما فنية في العالم.
 
لم يستغل مبرمجو قاعات العروض هذه الحرية، فأشكال العروض ما زالت تقليدية وتطرح أشكال عرض تم تكرارها كثيراً، وكأن الهدف من العرض هو العرض فقط. مع انعدام تام للوعي بضرورة التواصل والاشتباك مع الجمهور. في محاولة بناء كمي وكيفي ليتواصل الجمهور ويشاهد ويناقش وينقد مختلف الأنواع من التجارب السينمائية المختلفة، فمحاولات الاشتباك أو تورط الجمهور في النقاش والنقد جاءت في مراحل متأخرة مع ظهور بعض المبادرات التي ساهمت في توسيع القاعدة الجماهيرية التي كانت وما زالت قليلة العدد مقارنة بتعداد سكان الأسكندرية. الواقع الذي يبدو في سياقه وجود برامج كأسبوع أفلام جوته أمراً ملائماً وضرورياً.
 
تنوع برنامج العروض هذا العام ليحوي أفلاماً مختلفة وضم خلاله العرض الأول لفيلم "حار جاف صيفاً" ٢٠١٥ للمخرج المصري شريف البنداري، الحاصل على العديد من المنح الإنتاجية إضافة إلى جائزة روبرت بوش الألمانية. مجتذباً بذلك جمهوراً كبيراً نسبياً يُفتقد في معظم تجارب السينما البديلة المصرية، فعوامل مثل توقيت العرض والتعاون مع ممثلين معروفين وعرضه الأول بالأسكندرية والإدارة الإعلامية التي دعمت هذه التجربة ساهمت في تحقيقه لذلك. إضافة إلى أفلام كـ"أفق جميل" ٢٠١٣ للمخرج السويسري شتيفان ياجر، و"شارع بورنهولمر" ٢٠١٤ لكريستيان شفاخوف، المخرج المهتم بالمراحل الانتقالية في تاريخ ألمانيا وخصوصاً مرحلة ما قبل سقوط سور برلين.
 
وبالرغم من المناخ غير المهيأ لوجود صناعة سينما فنية مكتملة الأركان في مصر والمشاكل التي تواجهها من قلة الإنتاج والتوزيع وعدم توافر دور العرض والتواصل مع الجمهور. يواجه صناع الأفلام واقعهم بجراءة رؤياهم وبطروحات تدعوا للملاحظة والتنبؤ بالتغلب على الظروف غير المشجعة وطرح طرق بديلة واقعية تضمن استمرار الدورات الإنتاجية وإثراء الحركة السينمائية، فما بين "منتهي الصلاحية" ٢٠١٦  للمخرج إسلام كمال، و"فتحى لا يعيش هنا بعد الآن" ٢٠١٦ للمخرج ماجد نادر، اللذان تم عرضهما في المنتدى الموسع بمهرجان برلين ٦٦ - ٢٠١٦  و"الزيارة" ٢٠١٥ لمروان عمارة ونادية منير، باشتراك إسلام كمال، و"برة في الشارع" ٢٠١٤  لياسمينة متولي وفيليب رزق، الذي عرض بالمنتدى الموسع بمهرجان بيرلين ٦٥ -٢٠١٥  و"باب الوداع" ٢٠١٤  لكريم حنفي، والحاصل على جائزة جمعية النقاد المصريين كأفضل فيلم مصري لعام ٢٠١٥  وعلى العديد من الجوائز. كل هذه الرؤى المغايرة والأشكال الإنتاجية غير المعتادة على السينما الجماهيرية المصرية والتي طرحت نفسها على الواقع السينمائي تثير كثير من التساؤلات الثقافية والاجتماعية حول واقعنا المعاصر وتوسع دائرة النقاش لما نعيشه.