حركية الخروج من دائره الشعور بالذنب

في فلمها الوثائقي، وثقت سارة سليمان تجربة نساء يعشن في مصر (أجنبيات ومصريات) وكيفية تنقلهن في الأماكن العامة وتعاملهن مع التحرش.
Sarah Seliman

أعدّت الفنّانة التشكيليّة سارة سليمان مشروعًا فوتوغرافيًّا وثائقيًّا حول التحرّش بالنساء في الأماكن العامّة في القاهرة. إلّا أنّ الأمر استلزم زيارة إلى ألمانيا لإدراك الاختلاف في المفاهيم الإجتماعية المتعلقة بقضايا الجنسين بين البلدين.

تعيش الفنّانة التشكيليّة ومصمّمة الرسوم التصويرية سارة سليمان في القاهرة. سارة اصبحت ضليعة في لغة التحرّش في شوارع العاصمة المصريّة، حيث تقول: "كلّما أخرج إلى الشارع يعلّق الرجال كلّهم على شعري أو القرط في أذني أو ثيابي، حتّى ولو لم أكن أرتدي ما يلفت النظر".

كانت سارة إحدى النساء الثلاث اللواتي أطلقنَ مشروع "قصص الرصيف"، يتطرّق المشروع إلى أسئلة متعلقة بالاماكن العامّة في القاهرة، وكيفيّة تجوال النساء في الأماكن العامّة ومواجهتهنّ للتحرّش، بالتعاون مع صالون التحرير في معهد جوته في القاهرة. تضمّن المشروع، بالإضافة إلى المحتوى الأكاديميّ، ورشات عمل مع ٢٤ امرأة تتراوح اعمارهنّ بين العشرين والثلاثين سنة، مصريّات وأجنبيّات يعشْنَ جميعهنّ في القاهرة.

استراتيجيات لواجهه التحرش

عاشت سارة طفولتها في السعوديّة وانتقلت بعدئذ إلى القاهرة، وقد أعدّت مشروعًا فوتوغرافيًّا وثائقيًّا، صورت فيه ١٢ امرأة، في حين ظهرت ٦ منهنّ فقط في الوثائقيّ ذو ٤٠ دقيقة الذي أعدّته. وتحدّثت كلّ منهنّ عن طريقتها لمواجهة حالات التحرش وعن غرض محدّد تحمله معها لتشعر بالأمان – سواء كان خاتمًا أعطاها إيّاه والدها أو سمّاعات تصدّ الضجيج أو حجابًا – عندما ترتاد اماكن عامّة.

 مع مشاركة الأكاديميين الألمان في المشروع الأوسع نطاقًا، كان من المخطط أن تنتقل "قصص الرصيف" إلى أوروبا، إلى ألمانيا وإيطاليا وهولندا، غير أنّ طلب سارة للحصول على تأشيرة دخول إلى ألمانيا لاقى رفضًا. فلجأت عندئذ إلى برنامج "موفينج مينا" التابع لمعهد جوته والذي يقدّم التمويل والدعم الإداريّ للفعاليّات الثقافيّة في المنطقة العربيّة لمساعدتهم على السفر إلى ألمانيا للمشاركة في الأحداث الثقافيّة كالمهرجانات أو المعارض أو المؤتمرات؛ منذ انطلاقته سنة ٢٠١٢، استفاد منه حوالي ٥٦٠ فعاليّة ثقافية.

 بفضل مساعدة البرنامج، نجحت سارة، فيما بعد، بالحصول على تأشيرة الدخول، وتلقّت الدعم لإقامة المعرض وسافرت إلى فرانكفورت ثمّ برلين لحضور فعاليات عُرض خلالها مشروعها "قصص الرصيف". كانت هذه الزيارة الأولى لسليمان إلى أوروبا، فزارت مدناً ورأت هندسيّات معمارية درستها في الجامعة. إلّا أنّ الاكتشاف الكبير كان الغياب النسبيّ للتحرّش. تقول إنّ زيارة ألمانيا قلبت حياتها رأسًا على عقب، هي المرأة الآتية من القاهرة. " شعرتُ بطعم الحرّيّة في ألمانيا لأوّل مرّة في حياتي. مشيتُ بحرّيّة من دون أن يحدّق بي الناس. دخّنت السجائر بحرّيّة. كنت أفعل ما أريد. لم أشعر بأنفاسي تضيق، كنْتُ طبيعية، شعرتُ بأنّني إنسان للمرّة الأولى. شعرتُ بالتحرّر، خلى رأسي من كلّ ضجيج."

 كانت التجربة مؤلمة وثوريّة في الوقت عينه على حدّ قولها، مع طعمة وجيزة لحياة تخلو من المضايقة المستمرّة. إلّا أنّ الأثر الباقي من التجربة، كما تعبر: " لستُ أنا المخطئة إن حدث تحرّش، ولا طريقة ملبسي هي السبب. لستُ مخطئة لأنّني امرأة. نقطة انتهى. إنّه المجتمع، وسوء فهم الناس وجهلهم. إنّ المجتمع المصريّ يضغط على المرأة، على الفنّان ضغطًا هائلًا، فتشعر أنّك أنت المذنب. دائمًا ما يلومون الضحيّة."

 ترى سليمان أوجهَ شبهٍ في العالم أجمع إذ تسمع تعليقات مماثلة حول حالات الاغتصاب في أوروبا، "هي المذنبة، هي من تسبب بذلك" على سبيل المثال، وتشعر بنوع من الرابط بين مسألة التحرّش في مصر والتمييز ضدّ المرأة في أماكن أخرى. تقول: "حتّى ولو يتعلّق الأمر بالمسألة عينها، ثمّة شعور عالميّ. من "الأسهل" لوم الضحيّة. غير أنّ الوضع هنا في مصر أكثر تفاقمًا: تميل النساء نحو الترجي وتجهل بمعظمهنّ حقوقهنّ أو كيفيّة الدفاع عن أنفسهنّ." تتحدّث سليمان عن رحلة تركت أثرًا كبيراً على نظرتها وإدراكها للأشياء كفرد. "غيّرتني. عندما عدتُ، بعد أسبوع في المانيا، شعرْتُ بحالة من السلام كإنسان."

 في غضون ذلك، حظي المشروع بردود فعل إيجابيّة في ألمانيا وإيطاليا، لاسيّما بين صفوف الأوروبيّين الذين لم يزوروا الشرق الأوسط وفي بالهم الصورة النمطيّة للمرأة في مصر والجوار، على حدّ قول سليمان. "بالنسبة لهم، المرأة المحجّبة من الرأس إلى الأقدام، التي ترتدي النقاب أو الحجاب؛ يظنّون أنّها لا يحق لها ان تكلّم الرجال أو أنّها لا تتّسم بالانفتاح الكافي. مشاهدة الصور والوثائقيّ غيّرت نظرتهم بالفعل – رأوا نساء قويّات، يتكلّمنَ عن حقوقهنّ، يعشْنَ حياةً طبيعيّة، لكلّ منهنّ قصّتها. كان هذا نجاحًا كبيرًا بالنسبة لي."